بعد مرور ليلة الألفية بسلام ومن دون مشكلات كبيرة في أنظمة المعلومات و الكمبيوتر, اتُـهمت شركات المعلومات بالاحتيال والنصب, فهناك من وصف هذا الاحتيال بصفقة القرن وقدرها بأكثر من 250 مليار دولار ذهبت الى خزائن الذين اخترعوا خطر الألفية , وهناك من اشتق للاحتيال وصفاً هو عولمة الاحتيال, على طريقة عولمة الاقتصاد وعولمة المعلومات وبقية انواع العولمة. شخصياً لست من الذين يتهمون الشركات الغربية بالاحتيال والغش, وصحيح انها كسبت الملايين والمليارات لبيع برامج واجهزة جديدة لمعالجة خطر الصفرين, وصحيح ان ثمة مبالغات إعلامية تحديداً من خطر الألفية امتدت سنوات, غير أن ذلك كله لا يعني ان شركات الكمبيوتر حققت ما حققت من أرباح بسبب هذه العلة وحدها, كما ان المبالغة والتهويل أديا الى الالتفات الى وجود خطر حقيقي دفع بالتالي الى أخذ المشكلة بجدية, وهو ما يفسر سلامة الأنظمة من أي علل ليلة الألفية. ثم ان الانتباه لخطر الألفية بدأ قبل سنوات من موعدها, وهو ما نبهت اليه تحديداً شركات الكمبيوتر نفسها وشركات البرامج والمعلومات, فعملت الدول والمؤسسات والشركات على تحديث أجهزتها بأخرى تحتوي التواريخ الجديدة للألفية وللقرن, ما يعني ان المليارات التي تكون قد ربحتها الشركات العالمية انما جاءت مقابل برامج وأجهزة جديدة, وهو ما كان سوف يتم حتى من دون ألفية, ذلك لأن صلاحية هذه الاجهزة عموماً قصيرة وضرورة تحديثها وتحديث برامجها بات سمة هذا النوع من التكنولوجيا. الصحيح اذن ان شركات الكمبيوتر والمعلومات وهذا النوع من التكنولوجيا الجديدة والمطلوبة عالمياً ومن دون حدود عليا للطلب عندها سوق واسعة ومتجددة ومترامية الأطراف, تربح منها المليارات سنوياً, ذلك لأن نمط التجارة التقليدية نفسه قد تغير, من تجارة تقوم على السلع والمواد الخام, الى تجارة تقوم على المعلومات والبرمجة, وهو ما جعل طبعاً واحداً مثل بيل جيتس يتحول في سنوات قصيرة الى اغنى أغنياء العالم وتتجاوز ثروته لوحده, والتي قدرت بحوالي 300 مليار دولار وتزيد في الدقيقة الواحدة عدة ملايين, ثروات دول عديدة مجتمعة. وهكذا فإن بيل جيتس وشركات مثل مايكروسوفت وأبل وآي.بي.ام وكومباك وغيرها هي وهم أساطين المال والأعمال اليوم, يحلون تلقائياً, بناء على حجم ما تملك من ثروات وما تحقق من أرباح, محل شركات عملاقة قديمة كجنرال إليكتريك وفورد وأويل تكساكو وغيرها كثير, وهو ما لم يستوعبه كثيرون في العالم بعد, فيعتقدون ان شركات الكمبيوتر تنصب عليهم أو تحتال, من دون ان يفكروا لحظة بأنهم ليسوا في غنى عنها, ولا يمكنهم الاستغناء عما تقدمه لهم من اجهزة وبرامج. وعليه فإن من يتهم هذه الشركات بالاحتيال والغش, فإنه انما يتهم نفسه بالمقابل بالتخلف وعدم المعرفة, وإلا فما كانت لعبة شركات الكمبيوتر تنطلي عليه لو كان يملك ذرة من علمها وتطورها وقدراتها التكنولوجية والمعرفية, في حالة كانت هذه الشركات قد احتالت عليه فعلاً, على نحو ما اتهم مثلاً رئيس وزراء تشيكيا هذه الشركات بالاحتيال واستغلال جهل البشرية بالاجهزة وعملها الى درجة انهم قد عولموا الاحتيال, على حد وصفه. طبعاً عولمة الاحتيال, اذا صحت, لا تكون ممكنة الا في حال وجود مغفلين تسهل عليهم عمليات الاحتيال, وما دمنا في عصر العولمة ولا نملك نحن وأغلب شعوب العالم اليوم مقوماتها, خاصة لجهة العلوم والتكنولوجيا والصناعات الدقيقة, فإن قرناً او بعض قرن من الاحتيال سوف يضرب بأطنابه علينا, يذكرنا بعصور الاستعمار, لولا ان هذا الاستعمار اليوم من التقدم واللباقة واللياقة الى درجة ان يسيطر علينا بطلبنا ورضانا التام, يسمونه هم عولمة ونسميه نحن ومن في مستوانا من التخلف احتيالاً وسرقة ونصباً, وعلى عينك يا تاجر.