حسنا فعل لبنان برفضه الواضح امس الاول دعوة موسكو إلى المفاوضات متعددة الجنسية حول ما يسمى (التعاون الاقليمي في الشرق الاوسط) , وحسنا فعلت سوريا بالامس حين اتخذت موقفا مماثلا واوضحت انها لن تشارك في مثل هذه المفاوضات (إلا اذا تم احراز تقدم ملموس في المفاوضات الثنائية مع اسرائيل وبعد الاتفاق على مسألة الارض) , ومن المأمول ان تتخذ الدول العربية مواقف مماثلة ليس فقط من اجل دعم سوريا ولبنان وانما من اجل مصالح هذه الدول نفسها ايضا. فانعقاد هذه المفاوضات لا يخدم الان الا المصالح الاسرائيلية ولا يقدم اي خدمة جادة لعملية التسوية ولا للاستقرار في المنطقة ولا لأي من الدول المشاركة فيها من العرب وسواهم, ولا حتى لموسكو نفسها التي تسرعت بتوجيه الدعوة مدفوعة بمؤثرات وحسابات قد لا تكون صائبة. وان مما يدعم صحة الموقف السوري واللبناني هو ان اسرائيل لا تبدو جادة فعلا بتحقيق سلام متوازن, والمسئولون فيها ممن يعبرون عن رغبتهم في (السلام) , بمن فيهم باراك نفسه مازالوا يستخدمون هذه التصريحات كوسائل لتضليل وخداع الوطن العربي والعالم وبهدف ان يحققوا بالسياسة ما يعجزون عنه بالحرب. يتأكد ذلك من الموقف الذي عبر عنه الرأي العام الصهيوني في دولة العدوان حين خرج ما يتراوح بين 150 ـ 200 الف متظاهر يعبرون عن رفضهم للانسحاب من الجولان, ومن تصريحات وزير خارجية العدو (ليفي) وهو يؤكد اصرار اسرائيل على عدم الانسحاب إلى حدود الرابع من يونيو ,1967 وحتى مما قاله باراك نفسه حين اوضح ان (نجاح المفاوضات مع سوريا غير مضمون) وهو بذلك لا يعني الا عدم حسم موضوع الانسحاب من جميع الاراضي المحتلة كطريق وحيد لتحريك عجلة السلام. وهناك اسباب اخرى اشد خطورة تدعو لرفض هذه المفاوضات, حيث اوضح (فلاديمير لوكين) سفير روسيا السابق لدى واشنطن موقف موسكو بقوله: (الامريكيون .. اعطونا الاشارة للمشاركة بنشاط اكبر) , بينما توهم تيار يمثله (اليكس مالاشنكو) الخبير في معهد كارينجي ان (هذه المساعدات ستساعد على تحسين صورة روسيا لدى العرب والتي اضرت بها الحملة العسكرية في الشيشان, بينما رأى دبلوماسيون غربيون ان واشنطن تساند بقوة هذه المحادثات لانها ستستعيد الدول المانحة) . وذلك كله يعني ان هذه المحادثات تمثل ضغطا على الموقفين السوري واللبناني في التفاوض مع اسرائيل, وانها ستحاول تأمين ما تطلبه اسرائيل من ارقام مالية فلكية من الدول المانحة, دون اي تحرك فعلي تجاه سلام حقيقي وقبل اي التزام اسرائيلي بالانسحاب من الاراضي العربية المحتلة, وهي بالتأكيد لن تحسن صورة موسكو لدى العرب وان كانت قد تدعم (فلاديمير بوتين) وقد تطغى على ما يجري في الشيشان من مآس. لكل هذه الاسباب هي ليست مفيدة الا لـ (اسرائيل) وحدها.