في جلسة ضمت اكثر من شخصية عربية مطلعة في بيروت قبل اسابيع قليلة, لخص احد المطلعين المخضرمين الوضع في الشرق الاوسط قائلا: اذا سمعتم ان المفاوضات بدأت بين الاسرائىليين والسوريين, فاعتبروا انها انتهت, ثم اردف بعد ان انتبه الجميع له قائلا: لأن الادارة السورية لا يمكن ان تدخل مرحلة مفاوضات جديدة مع اسرائيل قبل ان تطمئن الى نتائجها ! بدا ذلك القول وكأنه القول الفصل في نهاية سهرة نقاش حامية حول مستقبل العلاقات في الشرق الاوسط, وهز له معظم الحضور رؤوسهم موافقين لأنه اولا يوافق (نظرية المؤامرة) التي اعتاد العرب تصديقها طيلة العقود الماضية, دون كثير من النقاش او العناء, فهي تستهوي الكثيرين منهم, نتيجة التثقيف السياسي الذي استمر طويلا في هذا الاتجاه, وعزز من ذلك الرأي ان قائله (شخصية مطلعة) لها خلفية سياسية وعملية طويلة في الشأن السياسي العربي. بعدها باقل من اسبوعين اعلن عن عودة المفاوضات الاسرائىلية السورية, وتذكرت القول الفصل في تلك السهرة, انها لم تبدأ لتنتهي بفشل, هذا اذا كان هناك سيناريو كامل لمنطقة الشرق الأوسط يعد في الخفاء, ولكن هل كان ذلك صحيحا؟ أكاد أجزم ان ما ذهب إليه صاحبنا في القول ان سوريا لن تدخل المفاوضات العلنية إلا بعد اتفاق سابق على كل التفاصيل, لم يصل إليه المثل الانجليزي القائل, واذكره بتحريف ان (الشيطان قابع في التفاصيل) أي ان التفاصيل هي الأهم من كل الاتفاقات العامة. صفوة القول ان المفاوضات السورية الاسرائيلية يمكن لها ان تنجح, وتدخل الشرق الأوسط في مرحلة تاريخية جديدة, لها متطلبات واستحقاقات جديدة, ويمكن, وأكاد أقول بنفس النسبة, أن تفشل, ويعود الشرق الأوسط, ليس فقط إلى مرحلة (لا سلام ولا حرب) بل مرحلة أسوأ من ذلك بكثير مما عرفنا حتى الآن, تنطلق فيها قوى سياسية واجتماعية جديدة مدمرة, قد نعرف بدايتها ولكن لا نعرف ما سوف تنتهي إليه. من أجل ذلك فإن نتيجة المفاوضات السورية الاسرائيلية التي يترقبها العالم هي أهم من أية مفاوضات تمت بين العرب واسرائيل حتى الآن, فهي الجسر إلى السلام أو النفق إلى الظلام. قال المنظرون في السابق ان لا حرب دون مصر, ولا سلام دون سوريا, وما نتائج السلام العربي الاسرائيلي الذي توقف قطاره بعد ان سار قليلا مرورا ببعض المحطات إلا دليل شامل على ذلك القول, وهو مركزية القرار السوري, وبالوصول إلى السلام مع سوريا فإن الحل مع لبنان سوف يتم تعجيله وبالتالي تكتمل حلقة السلام في الشرق الأوسط. وقد قيل في الأدبيات التحليلية ان الرئيس الأسد يستعجل الوصول إلى السلام, بسبب عدد كبير من العوامل التي تذكر, منها تقدمه بالسن (ولد سنة 1930) وبسبب موضوعات لها علاقة بالخلافة السياسية في دمشق, ولكن هذه المقولات على ظاهر كفاءتها المنطقية لأول وهلة, ليست في صلب حسابات المفاوض السوري, فالرئيس السوري حافظ الأسد من رجال التكتيك السياسي ذوي القدرة الفائقة على استخدام كل مميزات الصبر في السياسة, فقد صبر على سياسة رئيس الوزراء الاسرائيلي السابق نتانياهو التعسفية, كما صبر قبل ذلك على تسرع الرئيس أنور السادات, وكانت لديه الشجاعة ان يتوقف عن التفاوض عندما حل اليمين الاسرائيلي في الحكم, في الوقت الذي ازدادت الضغوط على سوريا, وذهبت التحليلات , وبعضها عربي, ان سوريا تفوت فرصا ذهبية للوصول إلى اتفاق, صبر على كل ذلك, حتى عاد المفاوض الاسرائيلي إلى الأجندة التفاوضية قبل وصول نتانياهو إلى الحكم, لقد صبر طويلا, ويمكن ان يصبر أكثر, عندما يرى ان نتائج المفاوضات القائمة الآن في شيبردزتاون لا تحقق لسوريا ما ترغب فيه حول مرتفعات الجولان والقضايا المجاورة للعلاقات السورية الاسرائيلية. بهذا الصبر حقق الأسد استقرار سوريا في العقود الثلاثة الأخيرة, كما حقق توازنا عربيا في جو دولي عاصف, من العلاقة الشائكة بلبنان إلى حرب العراق وايران إلى حرب تحرير الكويت, كما حقق بسبب الصبر نجاحا في علاقاته مع الولايات المتحدة التي تذبذبت وتعثرت كثيرا ولكنها لم تنقطع. في أول تصريح لايهود باراك رئيس الوزراء الاسرائيلي, بعد الاعلان عن عودة المفاوضات مع سوريا في ديسمبر الماضي قال ان السوريين أساتذة في التفاوض (على حافة الهاوية, وان النجاح في محادثات السلام المقبلة غير مؤكد) هذا القول يؤكد ان الطرفين الاسرائيلي والسوري قد دخلا في التفاوض والجميع يعرف انها مفاوضات عسيرة, فلا مكان للغموض اوالتمني. الغموض, ان صح التعبير, يكمن في ان لا احد يعرف حتى الان على الاقل, ما هي الصيغة التي توصل اليها الطرفان بالتعاون مع الطرف الامريكي للعودة الى المفاوضات من جديد, حيث توقفت منذ اربع سنوات, السوريون كانوا مصرين علنا انهم لم يعودوا الى طاوقة المفاوضات قبل موافقة اسرائيل بالعودة الى النقطة التي انتهى اليها التفاوض في عهد رئيس الوزراء الاسرائيلي الاسبق اسحاق رابين, والتي اكدت عودة مرتفعات الجولان, والاسرائيليون كانوا يعلنون دائما عن ان (الامن) هو اولوية قصوى لهم. المعروف حتى الان ان الولايات المتحدة قدمت التعهدات للجانبين عودة الارض من جانب والدعم المادي من جانب اخر ( الاخبار تتحدث عن سبعة بلايين دولار لاسرائيل) ولكن ذلك ليس كل شيء, فهناك المياه والعلاقات مع الجوارالاقليمي, والعلاقات الثنائية, فسوريا هي البلد الاكبر عربيا المحاذية جغرافيا لاسرائيل, وتفوق في اهميتها هنا البلدان المجاورة. التوقيت مهم اذن بجانب ان رئيس الوزراء الاسرائيلي يريد ان يسابق الزمن بسبب الضغوط الرافضة للسلام في قطاعات متطرفة من المجتمع الاسرائيلي والرئيس الامريكي بيل كلينتون (الراعي الاول لعملية السلام) يريد ان يخرج من الحكم بصورة صانع سلام ناجح في منطقة مهمة من العالم بدلا من صورة رئيس فاشل بسبب علاقاته الشخصية, فالتوقيت يبدو للاطراف جميعها مناسبا لاتفاق سلام. بدأت بعض التحليلات تتحدث عن الاثار الاقتصادية المصاحبة لاي اتفاق ولكن هذه ايضا يجب عدم التضخيم من نتائجها, فقد جرى نفس الحديث قبل اتفاق السلام مع كل من مصر والاردن ولكن النتائج كانت متواضعة. العديد من المواضيع التي سوف تثار اما من اطراف اسرائيلية او عربية لوضع بعض العصي في دولاب المفاوضات الجارية, منها ما نقل عن نائب وزير الدفاع الاسرائيلي القول بضرورة انهاء سوريا لعلاقاتها الاستراتيجية مع ايران كجزء من اتفاق السلام الشامل, خاصة مايتعلق بحزب الله في جنوب لبنان, ومنها ماينقل عن الاعلام لدى السلطة الفلسطينية من ان المفاوضات الاسرائيلية السورية تعطل المسار الفلسطيني والمؤكد اننا سنسمع خلال الايام المقبلة حججا اخرى. وفي نهاية المطاف هناك حقيقة مؤكدة من ان المفاوضات قد بدأت وهي مرحلة من مراحل التطور في الشرق الاوسط التي تأخذه الى مفترق طرق تاريخي, وما يهمنا هو السؤال: هل اعد للتطورات القادمة كما يجب؟ ام ان الامر كالعادة من طرفنا العربي متروك للتساهيل؟