اذا كان هناك من سؤال يثيره المسلسل التلفزيوني الرائع عن السيرة الفنية لسيدة الغناء العربي ام كلثوم فهو: هل ام كلثوم فلتة عبقرية فذة نسيجة وحدها وخارج مجرى زمانها ام انها ثمرة عصر زمني بما له من خصوصية متميزة؟ والحديث هنا ينحصر في تلك المساحة الزمنية الممتدة عبر عقود العشرينيات الى الستينيات من القرن العشرين المنصرم . الاجابة البسيطة المباشرة هي انه لولا شعراء اغان في قامة احمد رامي وملحنون في قامة رياض السنباطي.. بالاضافة طبعا الى عبقرية ام كلثوم نفسها في الاداء التعبيري لما كانت هناك أم كلثوم. فهنا اذن ثمرة فريق مشترك في اجود الكلمات واجود الالحان واجود الاداء, لكن هذه الاجابة البسيطة تبقى نصف الحقيقة او ثلثها.. ولذا فإن السؤال يبقى مفتوحا: لماذا ينفرد عصر زماني معين عما قبله وما بعده بافراز هذه الظاهرة العبقرية الثلاثية؟ وهل اقتصر عطاء ذلك الزمان على هذه العبقرية الثلاثية وحدها سواء في تكامل اجزائها أو تفرد هذه الاجزاء؟ فلنستذكر انه كان ايضا عصر عبقريات اخرى من الوان اخرى: فهو عصر نجيب محفوظ واحسان عبدالقدوس ومحمد عبدالحليم عبدالله في الفن الروائي.. وطه حسين والعقاد والمازني في النقد الادبي ومحمد حسنين هيكل في الكتابة الصحفية وان شئت توسيع القائمة على مستوى عربي اشمل فإن القائمة تتسع ايضا للشعراء ابو القاسم الشابي والتيجاني يوسف بشير ونزار قباني وفنانين غنائيين من امثال فيروز ووديع الصافي وفريد الاطرش واساطين نقد من امثال د. احسان عباس. ان الذين تهزهم اغاني أم كلثوم ليسوا جيلا واحدا أو جيلين, فمنذ أواخر عشرينيات القرن الماضي وحتى اليوم يربط فن أم كلثوم بين اجداد وآباء واحفاد في سلسلة طويلة من اجيال متعاقبة مما لم يتح لأي فنان غنائي في التاريخ البشري, وربما يكون فرانك سيناترا او لوي ارمسترونج الاقرب الى مكانة أم كلثوم من غيرهما لكن كليهما لم يستطع ان يثبت وجوده جماهيريا إلا ابتداء من عقد الاربعينيات حين كانت (ثومة) قد حققت النجومية منذ النصف الاول من الثلاثينيات. فما هو سر هذا الخلود الذي يفرض نفسه حتى يومنا هذا. خذ اولا بعض الشذرات من كلمات رامي: هجرتك يمكن انسى هواك واودع قلبك القاسي وقلت اقدر في يوم اسلاك وافض م الهوى كاسي لقيت روحي في عز جفاك بفكر فيك وأنا ناسي توقف عند هذه الكلمات وتأمل معانيها.. ثم استحضر كلمات من الاغاني الشائعة من موديل التسعينيات: ابعدوا عن الولد ده حايجنني الولد ده! واذا كانت الكلمات السوقية لا يمكن إلا ان يتلقفها ملحن سوقي ويؤديها مغن سوقي, فإن الكلمات السامية يتخيرها الملحن السامي ويؤديها المغني ذو الذوق الرفيع. السنباطي لم يكن فقط يستوعب دقيق المعاني في كلمات رامي.. الاهم من ذلك انه كان يتمثل هذه المعاني وينفعل بها وجدانيا فيبتدع لها الاطار الموسيقي الذي يجسمها كأنغام منسجمة مع بعضها البعض. وتنفعل أم كلثوم بالكلمات ومعانيها ولحنها معا فتنتقل انفعالاتها الى تعبيرات ادائية بخامة صوتية ذات درجات متنوعة من الآهات والعلو والهبوط. ومحبو فن ام كلثوم ينسون أنفسهم وهم يسمعونها تردد اربع او خمس مرات بيتا واحدا من الشعر او بيتين دون ان تتكرر النغمة الصوتية نفسها.. فكأنك ترى منظرا جميلا جرى تصويره من زوايا مختلفة. احمد عمرابي