هناك ميل واضح تجاه الأعمال الفنية (سينما ـ تلفزيون) التي تتناول السير الذاتية للابطال والرموز والمواقف البطولية في حياة الأمة, ماضيها وحاضرها, لان هذه النوعية من الاعمال يمكن ان تلعب دور العامل المثير والمستفز لمكامن النخوة والرجولة والتضحية وسائر قيم الحياة العربية الاصيلة والتي قضت عليها عصور من الانحطاط والتبلد والهزائم . ومن أسف ان انظمة التعليم والتربية ووسائل الاعلام, وفنونا عديدة كالشعر والرواية والنثر والقصة وغيرها لم تعمل على ايقاظ الأمة من سباتها, بل على العكس زادتها تدهورا وقضت على البقية الباقية من قيمها النبيلة بما تعج به افلامنا من عبث وفضائياتنا من غثاء وانظمة تعليمنا من تفريغ لمعاني التربية. وعليه فقد غاب النموذج, واختفت فكرة البطولة, في مقابل تكبير ونفخ لاينتهي لنموذج المرأة السلعة التي تقدم بابتذال في الاعلانات والدعايات وكخلفية ماجنة لاغنيات الفيديو كليب, ولنموذج الرجل الراقص المتمايل, الذي لا يعنيه في الحياة سوى السيارة السبور وجل الشعر والشامبو والعطر وعقد الماس الذي سيقدمه لحبيبته وزجاجة الكوكاكولا التي سيروي بها عطشه, وحبة الأدول التي ستزيل صداعه الذي سببته تلك الحواء الصاعقة التي مرت به! من هنا يتلهف الجمهور ويحتشد بشكل ملاحظ امام الاعمال التي تطرق على وتر القيم النبيلة, وقد بدا ذلك واضحا بعد عرض مجموعة من الافلام والاعمال التلفزيونية التي نالت حظا وافرا من النجاح والاقبال الجماهيري مثل فيلم عمر المختار, والناصر صلاح الدين, وناصر 56, وعملية ميناء ايلات, ومسلسل رأفت الهجان وليالي الحلمية, واخيرا مسلسل ام كلثوم. هذا الميل الرومانسي والطبيعي, تؤكده احاديث الناس في مجالسهم العامة والخاصة, وما تتداوله الصحافة حاليا في تحليلاتها وتحقيقاتها مع الجمهور والنخب المثقفة ومع الفنانين كذلك, حيث تبدو نبرة حنين واضحة ومتعاطفة مع هذه النوعية من الاعمال, وما ذلك الا بسبب عشقنا جميعا ـ صغارا وكبارا ـ لفكرة البطل والبطولة كحالة تعويضية لاحباطات الواقع, اضافة لقرب هؤلاء الابطال من نفسياتنا ووجداننا لانهم يمثلون قيمنا التي نؤمن بها وندافع عنها. من هنا فان الناس يمكن ان تشاهد كل ما يعرض عليها, ولكن السؤال بأية حالة من التقبل يشاهد الجمهور ما يعرض عليه؟ وما هو الحكم الذي يصدر على العمل والقائمين عليه؟ اعتقد أن هذه الاسئلة هي أول ما يجب ان يتبادر لذهن أصحاب الأعمال الفنية والادبية اذا كان الفن من وجهة نظرهم رسالة وهدفا يرمي لمراكمة فعل حضاري في بنيان المجتمع اكثر من كونه عملا للاكتساب والترزق, ذلك ان الكسب يمكن ان يأتي بأية وسيلة, بينما الرسالة والاهداف النبيلة لا تتأسس بطريقة (اي كلام) ولا بوسيلة التهريج وملء الفراغ بأعمال فارغة من أي مضامين وقيم. ان الجمهور العربي ذكي جدا, وناقد من طراز رفيع, لذلك فهو يتعايش بذائقة جميلة, وعقل مفتوح , وبتعطش مع كل عمل يرى انه يحترم عقله وذوقه ومشاعره واخلاقياته العامة وقيمه العليا في الحياة, لكنه يضحك على, ويسخر من, وينتقد بشدة وبشكل لاذع كل الاعمال التي تملأ ساعات البث التلفزيوني بسذاجة ما انزل الله بها من سلطان! صحيح انه يشاهدها ويضحك معها ويتسلى بها, لكنه ابدا لا يحترمها, ولا يحترم القائمين بها وعليها, وفرق كبير بين عمل احترمه, وعمل اتعامل معه كما اتعامل مع مهرجي السيرك. ومع ان الضحك واشاعة الفرح هدف سام وانساني نبيل ومطلوب ولا عيب فيه ابدا, لكن ليس من المعقول ابدا ان يتحول جهاز خطير كالتلفزيون الى سيرك يعج بالمهرجين وان يتحول كل عمل سخيف الى كوميديا مترهلة, وان يتحول الفن الى وكالة توظيف لكل من لا مهنة لها ولا عمل له.