هل يشكل تصاعد درجات العنف إلى مستويات غير مسبوقة في الشيشان فرصة لاعادة التفكير في جدوى الحل العسكري؟ وهل يتحول الصراع إلى عملية تفاوضية صحيحة تضع في اعتبارها الحقوق المشروعة للشيشانيين ومخاوف روسيا الامنية والسياسية معا, بحيث ينفتح باب السلام والاستقرار في منطقة القوقاز الملتهبة ؟ هذه الاسئلة باتت ممكنة, ولعلها ضرورية, في ضوء التطورات العسكرية والسياسية التي تشهدها الشيشان وروسيا نفسها. ففي الميدان, وبعد ان تصور الروس انهم نجحوا بالسيطرة على 80% من الشيشان, كما اعلن قادتهم العسكريون, وانهم باتوا على مقربة من الحسم, انقلبت الصورة فجأة وانفجرت الارض تحت اقدامهم وشهدت مدن: شالي وارجون وجودرميس معارك بالغة العنف, وتوقع مراقبون روس ان يعود الصراع إلى مدن اخرى كانوا قد تصوروا انهم حسموا الصراع فيها. كذلك نجح المقاتلون الشيشان امس في كسر طوق الحصار الروسي حول جروزني رغم وابل قنابل المدفعية والطائرات والصواريخ الروسية التي تمطر العاصمة الشيشانية, وبالتالي استعاد المقاتلون الشيشان الارتباط بظهيرهم الحيوي القوي ومركز امداداتهم في الجبال القريبة. وتحدث (مومادي سيداييف) قائد القوات الشيشانية بالوكالة في جروزني عن ان قواته قادرة على شن هجمات اعنف ضد الروس بغرض اقناعهم بأن (الحل بالسبل العسكرية غير مجد) بينما قال الرئيس الشيشاني اصلان مسخادوف ان (على القيادة الروسية ان تتفاوض لانقاذ ارواح آلاف الجنود واحلال السلام في الشيشان) . ومن ناحية اخرى, فقد ظلت القيادات الروسية تتحدث فقط عن الحل العسكري واصرارها على استعادة الشيشان واستئصال المقاتلين, لكن وزير الخارجية الفنلندي نقل لأول مرة منذ بدء الحرب الاخيرة المدمرة رغبة الرئيس الروسي بالوكالة (بوتين) بالتفاوض (مع اي جهة شيشانية تعترف بوحدة التراب الروسي) . هذا الموقف الروسي الجديد قد لا يشكل اكثر من مناورة سياسية لارضاء الرأي العام الغربي الذي بات يستفظع حجم الدمار والقتل في الشيشان ويستنكر مواقف حكوماته المنافقة. لكن هذه التصريحات تحتمل ايضا ان تكون مدخلا نحو عملية تفاوض مقبولة بعد التطورات الميدانية العنيفة, وقد سعى الشيشانيون من ناحيتهم إلى تطوير هذا الموقف بتذكير الروس انهم يستطيعون التفاوض فقط مع القيادة الشيشانية الشرعية المنتخبة. السباق اذن بات قائما بين منطق العقل والتفاوض وبين حرب قد لا تنتهي اذا استمرت الا بانهاك روسيا بعد تدمير الشيشان, ولعل هذه هي اللحظة المناسبة لتدخل الوساطات المفيدة والمقبولة من الطرفين.