بدأت المفاوضات السورية الاسرائيلية الجديدة في ظل تفاهم يجعلها مفاوضات مفتوحة الى ان يتم التوصل لتقدم يسمح بجولة ثانية في وقت لاحق. وتتميز هذه المفاوضات بأنها تتم بعد ان نضجت المعادلة التي تسمح بالنجاح. ويشكل حضور رئيس الوزراء الاسرائيلي ووزير الخارجية السوري الذي يتمتع بصلاحيات موسعة في هذه المفاوضات أحد اهم دلائل السعي للتوصل لاتفاق سلام بين سوريا واسرائيل ـ وتشير بعض التقديرات في العاصمة الامريكية الى امكانية التوصل لاتفاق في مارس القادم, اي ابان فترة ثلاثة شهور. ان هذه المفاوضات لم تأت من فراغ, فهي جاءت بعد اربع سنوات تقريبا من توقف المفاوضات عام 1996. ولكن الفترة بعد عام 1996 شهدت فترات متقطعة من التفاوض السري والاتصالات الهادئة مع كل من حكومة نتانياهو ثم مؤخراً حكومة باراك... في كل المفاوضات والاتصالات السابقة لم تقبل سوريا بعودة التفاوض وذلك انطلاقا من عدم وضوح المعادلة التي تتفاوض تحت سقفها. فأسرائيل لم تكن قد التزمت بمبدأ الانسحاب من الجولان واسرائيل لم تكن قد قبلت التفاوض تحت سقف القرار 242 ومبدأ الارض مقابل السلام, لكنها الان تلتزم بكل هذا دون ان تلتزم بالعودة الى حدود الرابع من يونيو. والاهم في عدم العودة للتفاوض قبل هذه المرحلة ان الولايات المتحدة لم تقدم التزاما واضحاً بدفع الثمن المطلوب لانجاز المفاوضات في صيغتها الاقتصادية (دعم مالي لسوريا وبالطبع لاسرائيل) وفي صيغتها السياسية (دعم سياسي لكلا البلدين) ودعم امني للاتفاق. ولكن هذا تغير الان لصالح الالتزام الامريكي. وفي السابق رفضت سوريا المطالب الاسرائيلية بالتطبيع والسفارات والتبادل الاقتصادي مما ساهم عدم عودة المفاوضات, الان سوريا تتقبل هذا الامر مقابل ثمن متوازن مقنع لسوريا ومضمون امريكيا (ماليا وسياسيا) وفي السابق رفضت سوريا فكرة وجود نقاط امنية اسرائيلية في الاراضي السورية وكانت اسرائيل اصرت على هذا الامر, ويبدو ان حل النقاط الامنية في توفر دور امريكي على الهضبة... وفي السابق اكدت اسرائيل على ضرورة وجود اشارات سورية ايجابية من شاكلة زيارة الرئيس السادات لاسرائيل ولكن سوريا لم تتقبل هذه الافكار لانها لا تنسجم والاسلوب الذي يميز الرئيس الاسد, واسرائيل تقبلت الوقف السوري. كانت اسرائيل تصر في السابق على انسحاب سوري كامل من الاراضي اللبنانية, الان اسرائيل تتعامل مع هذا الوجود في الاراضي اللبنانية من منطلق سياسي وسياسة الامر الواقع ورغبة الحكومة اللبنانية. هكذا نجد مرة واحدة ان كل الاوراق السياسية والاقتصادية بين البلدين قد تجمعت عند نقطة تسمح بالتفاوض وعقد صفقة سلام في ظل رعاية امريكية حريصة على انجاز السلام قبل نهاية عهد الرئيس كلينتون. ويتضح مستوى المفاوضات ومدى جديتها من طبيعة الوفود المفاوضة. اذ يتشكل الفريق الامريكي من وزيرة الخارجية الامريكية التي تفرغت لهذه المفاوضات كما ان الرئيس الامريكي على استعداد للتدخل في اي وقت لتذليل بعض الصعاب. ويضم الفريق الامريكي منسق عملية المفاوضات دينيس روس, ومساعده ارون ميلير, اضافة الى مساعد وزيرة الخارجية لشئون الشرق الاوسط مارتن انديك, والمسئول عن شئون الشرق الاوسط في مجلس الامن القومي بروس رايدل ومساعده روبرت مالي, اضافة للعديد من الخبراء القانونيين والعسكريين (من البنتاجون) والسياسيين والمترجمين ويقدر عدد الفريق السوري المفاوض بحوالي 30 فردا منهم عسكريون وسفراء سابقون وقانونيون, بينما يقدر عدد الفريق الاسرائيلي بحوالي الخمسين فردا منهم وزير الخارجية, اضافة لوزير السياحة اضافة للمدعي العام ورئيس سابق للاركان, والعديد من المحامين والعسكريين والخبراء في المياه وغيره... ومن الامور التي تجعل هذه المفاوضات حاسمة وهامه هو وجود تفاهم ضمني على مسألة المياه فسوريا تمتلك منابع المياه التي تغذي اسرائيل وهذه مشكلة لاسرائيل, وتركيا تمتلك منابع المياه التي تغذي سوريا وهذه مشكلة لسوريا. وبما انه يوجد تحالف اسرائيلي تركي وعلاقة قوية بين الولايات المتحدة وتركيا فمسألة المياه سوف تحل ايضا في اطارها السوري الاسرائيلي التركي الامريكي بما يضمن المصالح السورية, فسوريا لن تقبل بخسارة في الجانبين الاسرائيلي والتركي, لابد من معادلة مربحة لجميع الاطراف ومتوازنة. ان هذه المفاوضات تأتي دفعة واحدة في اطار رؤية سوريا للمفاوضات الشاملة فهي مفاوضات تشمل كل شيء, المياه, المستعمرات في الجولان, الامن, الجيوش, الاقتصاد, التنمية, التطبيع, الدور الامريكي, الالتزام الامريكي الراهن والقادم, الدور السوري في لبنان, الانسحاب الاسرائيلي من جنوب لبنان, مستقبل حزب الله, حدود الدور الايراني في لبنان, سوريا وتركيا, وغيره من الامور. انها مفاوضات شاملة وفق النظرة السورية التي تمسكت من البداية بهذه الشمولية بمعنى اخر انتظرت سوريا كل هذه الفترة لتأخذ التزاما يبدأ من النهاية: الاتفاق على المبادىء الرئيسية قبل البدء, وجعل المفاوضات الراهنة مفتاح الحل الشامل. ويشكل غياب الرئيس الاسد عن هذه المرحلة تعبير عن اسلوب في التفاوض يسمح للرئيس الاسد بالانسحاب من المفاوضات اذا لم تحقق المكاسب المطلوبة, كما ان هذا الاسلوب يسمح للرئيس الاسد بالتهرب من الضغوط والالتزامات الاخلاقية والشخصية, بل يسمح هذا الاسلوب للرئيس السوري بالتقدم لتذليل عقبة محددة في وقت محدد لقاء تنازلات مفيدة لسوريا, غياب الاسد نقطة قوة في هذه المرحلة. في هذا الاسلوب تحاول سوريا ان تتميز عن من سبقوها من العرب في قضية المفاوضات. ومع ذلك في نهاية الطريق كان الخلاف بين سوريا وغيرها من العرب في الاسلوب وفي التكتيك ولكنها لم تختلف عن الاخرين في المبدأ والسعي لاخذ الارض مقابل الانتقال لمرحلة جديدة من السلام ووعود التنمية الاقتصادية والانفتاح. استاذ قسم العلوم السياسية في جامعة الكويت