احسنت السلطات المصرية صنعا باذاعة كل الحقائق عن الاحداث التي وقعت في قرية (الكشح) في صعيد مصر والتي راح ضحيتها 20 مواطنا من الاقباط في اشتباكات مفاجئة مع عائلات من المسلمين في القرية حيث ظهر واضحا من الروايات الرسمية وغير الرسمية ان الاحداث لم تكن مدبرة, وانها بدأت بمشاجرة بسيطة بين تاجر اقمشة قبطي ومواطن مسلم ليتطور الامر بعد ذلك الى هذه المأساة . لقد ظللت هذه السحابة السوداء بهذا الحادث سماء مصر كلها. خاصة انه جاء في ايام مباركة وقبل ساعات فقط من انطلاق الاحداث في القرية البائسة كانت احدى المجلات المصرية البارزة (المصور) تنشر تحقيقا عن مظاهر الوحدة الوطنية التي تعيشها قرية (الكشح) في رمضان وكان التحقيق يبدو ردا مناسبا على كل ماقيل بعد احداث اخرى شهدتها القرية في العام 98 وآثارت ضجة كبرى حين استغلتها بعض الدوائر الامريكية في التشهير بمصر واطلاق المزاعم والتي ساهم فيها بعض المهوسين من اقباط المهجر عن مذابح للاقباط المصريين واضطهاد لهم. كان التحقيق الصحفي الذي نشرته المجلة عن مظاهر رمضان في القرية التي يعيش فيها الجميع في تآخ ومودة خاصة بعد التقاء الاعياد بين المسلمين والاقباط, حيث يصوم الجميع في مصر في هذا الوقت, المسلمون يصومون رمضان, والاقباط يصومون صيام الميلاد, ليحتفل الجميع بذلك المسلمون بعيد الفطر والاقباط بأعياد الميلاد. وبعد ساعات اندلعت الاحداث في القرية لتنشر جوا من الاسى المرير بين المصريين جميعا. ولتثير الكثير من علامات الاستفهام حول الاحداث ومغزاها وتوقيتها. وتسارع السلطات المصرية بنشر الحقائق عن الحادث لتزداد الدهشة.. فإذا كانت احداث 98 قد جسدت اهمالا من الشرطة وتجاوزا في التعامل مع المشتبه فيهم في جريمة قتل عادية كان طرفاها (القاتل والقتيل من الاقباط الذين يمثلون 75% من سكان القرية) فإن الاحداث الاخيرة التي بدأت بخلاف حول بيع قطعة قماش قد انتهت بمأساة, خاصة انها لم تكن من فعل جماعات متطرفة كما كان الامر في الاحداث الطائفية التي انفجرت في اواخر السبعينيات في نهاية حكم السادات وانما هي ردود فعل مواطنين عاديين لابد من الوقوف على اسبابها, ومعرفة كيف تطور شجار بسيط بين مواطنين يوم الجمعة الى احداث دامية وقتلى وجرحى يوم الاحد؟ وبداية لابد من الوقوف عند بعض الملاحظات الاولية على ماحدث والظروف المحيطة به. * هناك اولا ان وقوع الحادث في قرية (الكشح) بعد كل الضجة التي اثيرت حولها محليا وعالميا يعطي الحادث الاخير حجما اكبر ويعطي الفرصة للمتربصين بمصر لتجديد مزاعمهم عن اضطهاد الاقباط في مصر. * وهناك بعد ذلك الحديث عن تقصير امني او غير امني, فالاجراءات التي كان ينبغي اتخاذها بعد اشتباكات يوم الجمعة لم تتخذ, وكانت حالة الاسترخاء التي سمحت باندلاع الاحداث يوم الاحد. ومع ان الامر لم يكن مفاجأة كاملة بل كانت له بوادر فإن المواجهة تأخرت حتى حدث ماحدث. * وهناك حقيقة ان مثل هذه الاحداث تقع كثيرا في صعيد مصر حين تشتبك عائلات في معارك طاحنة ويسقط ضحايا بسبب الثأر او بسبب نزاع بسيط. وكان ملاحظا في البيان الحكومي التأكيد على ان عناصر التطرف موجودة في الجانبين (المسلم والمسيحي) وانها المسئولة عن تحويل خلاف فردي الى نزاع طائفي وهي رسالة تختلف عن تلك الرسائل التي كانت تصدر بعد الاحداث الارهابية والتي كان يتحمل مسئوليتها جماعات التطرف الاسلامية التي لم يكن لها وجود في الحادث الاخير, بعد محاصرتها وانحسار نفوذها وان كانت قد تركت بعض سمومها في جسد المجتمع المصري, وبعض سموها وآثارها هو نمو التطرف على الجانب الآخر (القبطي) وهو التطرف الذي تغذيه جهود اجنبية مشبوهة في محاولة لشق المجتمع المصري المتآلف. ولاشك ان الكثير من الاجراءات الرادعة مطلوب, وان التدابير الآمنية اساسية حتى لاتستغل عناصر التطرف في الجانبين الموقف, او تصب الجهات الاجنبية المشبوهة الزيت على النار, ولكن ذلك لاينبغي ان يوقعها في الخطأ الذي نقع فيه دائما في مثل هذه الاحوال, وهو الاكتفاء بالحلول الامنية وغض الطرف عن الجوانب الاخرى للقضايا التي تحتاج لجهد شامل وعمل يتجاوز حدود الامن بكثير. لقد وقف الامن بمفرده في مواجهة جماعات التطرف التي اساءت للاسلام وروعت المسلمين. هذه الجماعات التي اعطاها السادات الفرصة حين اطلقها من القمقم في بداية عهده ليستعيد بها في مواجهة الناصريين وقوى اليسار, فتحولت بعد ذلك الى طاقة تكفير وتدمير. وبعد اغتيال السادات دخلت الدولة في مواجهة عنيفة مع هذه الجماعات وكانت المواجهة لسنوات مواجهة امنية واستغرق الامر سنوات عديدة لادراك ان هذه المواجهة الامنية لاتكفي, وانه لابد من ان تكون المواجهة شاملة وان يكون اساسها هو تجفيف منابع الارهاب ومعالجة الظروف التي جعلت هذه الجماعات تنجح في استقطاب الشباب. لكن الفارق هنا ان الاحداث تقع في قرية (الكشح) التي توجد بها منذ احداث 98 احتياطات لمواجهة الحالات الطارئة, وايضا ذلك اللون الطائفي حيث كانت المعارك بين عائلات مسلمة واخرى قبطية, استغلها البعض ليمارسوا اعمال النهب والسلب في القرية المنكوبة. * ثم ان الاحداث في (الكشح) تأتي في ظل اصرار امريكي على الحديث عن مشكلة (قبطية) في مصر, ومحاولة التدخل بشأنها, واستغلالها كورقة ضغط على مصر في محاولة لتغيير سياساتها التي لاتروق لواشنطن او لتل ابيب, وقد كانت لجان الكونجرس الامريكي ميدانا لحملات على مصر من جانب بعض اعضاء الكونجرس من اللوبي الصهيوني كما تحدث بعد اركان الادارة الامريكية عن استغلال قانون (الاضطهاد الديني) في معاقبة مصر على اضطهاد مزعوم وغير حقيقي لمواطنيها الاقباط, وهذا القانون اصدره الكونجرس كذريعة للتدخل الامريكي في الشئون الداخلية للدول التي لاتروق لها سياساتها الخارجية. ويلاحظ هنا ان هذه الحملات كانت تزداد شراسة كلما ازدادت الخصومات بين القاهرة وتل ابيب, ومع اتهام مصر بمساندة المفاوضين العرب في التمسك بالحقوق العربية او ما تبقى منها خاصة بالنسبة للجانب الفلسطيني كما كانت الحمى تشتعل مع مواعيد زيارات الرئيس المصري لامريكا وهناك في الافق زيارة كان محددا لها ان تتم خلال الشهرين المقبلين. ان رد الفعل على الاحداث ومنذ اللحظة الاولى كانت اجماعا وطنيا على الادانة, ولم يتخلف عن ذلك فصيل سياسي او اتجاه فكري, فالوحدة الوطنية في مصر هي قدس الاقداس الذي يحرص الجميع على رعايته والحفاظ علىه خاصة وهم يدركون ان هناك من يستهدف مصر ويحاول حصار دورها واغراقها في المشاكل الداخلية. اما الحكومة المصرية فقد سارعت الى التأكيد على عزمها ضرب كل عناصر التطرف الاسلامي والمسيحي بشدة, مع التأكيد على ان كل من شارك في احداث الكشح لن يفلت من العقاب. ومع أن الدولة أدركت أن انتشار الفقر والبطالة في صعيد مصر عامل أساسي في انتشار جماعات العنف (الاسلامي) في هذه الفترة, ومع أن الدولة بدأت في التركيز على تنفيذ برامج للتنمية في الصعيد الذي طال إهماله, إلا أن هذا الجهد لم يكتمل حتى الآن برؤية شاملة, ومازالت أجهزة الدولة تبذل جهدها في غيبة النظرة السياسية التي لاتتعامل مع المشاكل بالقطاعي, ولاتنتظر الانفجار حتى تبدأ في التفكير في سبل المواجهة!! ولعل ماحدث في (الكشح) قبل أيام يعطينا الفرصة لمراجعة الأوضاع مرة أخرى, والوقوف على مواقع الخلل, والتصرف بوعي مع قضايا صعبة ومعقدة. فقد مرت أحداث 98, وتركزت الانظار على هذه القرية في صعيد مصر.. فكيف واجهنا الموقف؟ لقد تم اكتشاف مواقع الخطأ في معالجة أجهزة الأمن في ذلك الوقت, والتي اتسمت بالعصبية وربما تجاوزت المعتاد في اجراءات التحقيق.. رغبة في انهاء التوتر واعادة الاستقرار. ولكن هذه المعالجة مع الضغوط الاجنبية التي حاولت استغلال ما حدث في 98 ربما كانت سببا في بعض ما حدث هذه المرة.. والغريب أن البعض يرى ان التدابير الامنية لم تكن كافية بعد أحداث 98 فسمحت بوقوع المأساة الجديدة, بينما يرى البعض أن اجهزة الامن تعاملت بشيء من التبسيط في بداية الاحداث هذه المرة, ولم تحاول اتخاذ تدابير احتياطية خوفاً من التهويل الإعلامي فكانت النتيجة أن استغلت عناصر التطرف في الجانبين (الاسلامي والقبطي) الموقف, وصعدت تحركاتها حتى انفجرت الأحداث. لكن الأمر الأهم من هذا وذاك هو ضرورة التأكيد على أن المعالجة الامنية وحدها ـ مهما نجحت ـ لاتكفي, وأنها ـ مع ضرورتها القصوى ـ يجب أن تكون جزءاً من معالجة أشمل وأعم. إن الاتجاه إلى وضع صعيد مصر على خريطة التنمية وتشجيع الاستثمار هناك بكل السبل هو اتجاه هام يجب تشجيعه وتدعيمه مع الحرص على نوعية المشروعات المطلوبة والتي تحتاج للعمالة البشرية بشكل كبير للمساهمة في علاج البطالة والفقر. إن الادراك بأن التوترات الاجتماعية هي البيئة الصالحة لعناصر التطرف والايدي الخفية التي تحاول العبث بأمن مصر واستقرارها.. لابد أن يدفع الجهود لكي تكون التنمية التي تتحقق تنمية شاملة.. بحيث تنعكس على المواطن في التعليم والثقافة والصحة, وهو الاتجاه الذي تطرق الحديث إليه أخيرا في بيانات الرئيس مبارك عند الاستفتاء على تجديد انتخابه, ثم في في بيان الحكومة الجديدة.. ويبقى ان تجد هذه البرامج طريقها للتنفيذ. إن ثورة ثقافية حقيقية لابد منها لكي تصل الثقافة إلى أعماق الريف, ولكي تختفي البرامج الاحتفالية المبالغ فيها والمهرجانات التي لاطائل منها, لكي يتم وضع كل الموارد في خدمة المواطن العادي, ولكي نمهد الطريق امام ثقافة جادة تعرف كيف تحتفظ بأصالتها وكيف تعانق ثقافات العالم وتستفيد منها. وكما في الثقافة فإن الجهود في التعليم ينبغي ان تتواصل للتحديث وللحفاظ على الهوية, ولتيسير السبيل أمام الفقراء لاستكمال تعليمهم.. ولاشك أن هناك جهوداً كثيرة في هذه السبل جميعاً وآخرها قرار منح قروض ميسرة للطلبة, ولكن جهوداً أكبر ينبغي أن تتم لكي يدرك المجتمع كله ان التعليم هو أحد معاركه الأساسية لاقتحام الحضارة الجديدة. ويبقى أهم العوامل التي ينبغي الالتفات إليها, وهو الغياب الكامل للعمل السياسي. وهاهي الأحداث الأخيرة تكشف ماسبق انكشافه عشرات المرات وهو أن الاحزاب السياسية ـ بما فيها حزب الأغلبية ـ ليست إلا صفراً كبيرا, وأن الشارع السياسي مقفر, والنشاط السياسي غير موجود. والفراغ السياسي يترك الساحة لعناصر التطرف, بل إن غياب المعارك السياسية الحقيقية والصراع الصحي بين التيارات المختلفة قد فتح الباب لكي تشهد الانتخابات البرلمانية السابقة نمو ظاهرة البلطجة واستخدامها لحسم المعارك الانتخابية, وهو أمر يساعد على مد جذور العنف إلى مناطق أخرى غير المنطقة الانتخابية. إن الأمر يحتاج لبحث جاد في سبل إحياء العمل السياسي وتحويل الأحزاب السياسية من مجرد لافتات أو صحف الى عمل جاد يبث الدماء في شرايين المجتمع وينشر الديمقراطية في كل المؤسسات, وينزع فتيل العنف عندما يكون القرار في صندوق الانتخابات, وعندما تجد كل فئات المجتمع نفسها موجودة وممثلة عند اتخاذ القرار. إننا أمام حادث صغير, ولكنه يفتح العيون على واقع لابد من التعامل معه بكل موضوعية ووعي, وعلى ثغرات في البناء الاجتماعي والسياسي يجب سدها, وعلى محاولات بعض عناصر التطرف للعبث بالاستقرار وخلق فتنة طائفية لامكان لها في مصر المحروسة, لتتمكن عناصر التزييف والتشويه بعد ذلك من الاساءة لمصر والاضرار بمصالحها والضغط عليها لأسباب اصبحت معروفة, ولمواقف لاتروق للمتربصين بمصر والعرب. إننا أمام حادث صغير يريد البعض استغلاله لخلق صورة يتمنونها للاساءة لمصر وللعروبة والاسلام. ونريدها نحن فرصة لمراجعة النفس واستكشاف كل مواقع الخطر علينا, وتحويل تيار الاستنكار الوطني العام لأي محاولة للمساس بوحدة الأمة الى عمل واع يحشد كل الامكانيات للنهوض الوطني والقومي الذي تساهم فيه كل فئات المجتمع وكل عناصر الأمة. ... وتبقى الوحدة الوطنية هي أساس البنيان الواحد الذي ميّز مصر عبر العصور.. ويبقى التسامح والمحبة يسريان في وريد المصريين جميعا.. وتبقى مصر هي (المحروسة) من آرادها بسوء قصمه الله.