قبل نحو شهرين تسلمت الحكومة الاسرائيلية تعويضا ماليا نقديا من صندوق الامم المتحدة للتعويضات الذي انشىء في اطار العقوبات الدولية المفروضة على العراق بغرض دفع تعويضات مالية من عائدات النفط العراقي إلى حكومات وجماعات وافراد تعتبر انها تضررت ماديا من الاحتلال العراقي للاراضي الكويتية وتداعياته , والاضرار التي لحقت باسرائيل ادرجت على قائمة اعدتها الحكومة الاسرائيلية وتحوي تفاصيل لاعطاب اصابت منشآت واشخاصا نتيجة لعمليات قصف عراقية بصواريخ سكود طويلة المدى. الان يستأنف الاسرائيليون لعبة التعويضات مستغلين مناسبة بدء عملية التفاوض السورية الاسرائيلية, فانبعثت مطالبات من جهتين: مجموعة اليهود السوريين المهاجرين الذين استقر بهم المقام في اسرائيل من ناحية, ومنظمات يهودية عالمية يمثلها (الصندوق القومي اليهودي) من ناحية اخرى, (وعلى صعيد مختلف تطالب اسرائيل حكومة الولايات المتحدة بتعويضات لقاء الانسحاب الاسرائيلي من الجولان السورية). وعلى العرب الا يصدموا أو يندهشوا فان هذا هو ثمن الموافقة العربية على تحول فلسطين 48 من ارض عربية مغتصبة إلى دولة يهودية شرعية معترف بوجودها. الروائي الانجليزي الراحل جورج اورويل قال على لسان احد ابطال رواياته: عواقب فعل ما متضمنة داخل الفعل نفسه, وهكذا فان تجاسر اسرائيل على مطالبة العرب بتعويضات من اي نوع هو في الحقيقة مطالبة للعرب بان يكونوا منسجمين مع منطقهم حين ارتضوا ان يكون الوجود اليهودي على الارض العربية شرعيا, فاسرائيل تستثمر الان هذه الشرعية, بدأت بالعراق ولن تنتهي بسوريا. اليهود السوريون الذين هاجروا من سوريا ما بين عام 1948 وعام 1967 يريدون تعويضات عن (ممتلكاتهم) في سوريا التي يقولون انها صودرت, كما يقولون انها تتضمن الحي اليهودي السابق في دمشق الذي كان يضم حوالي 30 شارعا بها مئات المنازل والمباني الاخرى, و(الصندوق القومي اليهودي) يقول انه (يملك) اكثر من 50 كيلومترا مربعا من اراضي سوريا اشترى معظمها يهود عند نهاية القرن التاسع عشر. اما توقيت المطالبتين اليهوديتين فان مغزاه لا يخفى, فهما تتزامنان مع بدء عملية الاخذ والرد التفاوضية بين سوريا واسرائيل, وفي هذا السياق يقول يوسف كاليش عضو (رابطة المهاجرين السوريين في اسرائيل) ان الرابطة ستجري اتصالات قريبا مع رئيس الوزراء الاسرائيلي ايهود باراك كي يدرج مطالبها ضمن بنود مفاوضاته مع دمشق, اما رئيس (الصندوق القومي اليهودي) فقد قال انه يأمل (ان تمثل الممتلكات اليهودية دعما لباراك في مفاوضاته مع سوريا) . واذا كان المفترض ان هذه المطالبات اليهودية مبنية على مبادىء القانون الدولي فماذا تقول هذه المبادىء عن ارض يقتلع منها شعبها بالقوة المسلحة ويتملكها شعب غاز ويقيم عليها دولة؟ واذا اعتبرنا ان قرارات الامم المتحدة ومن بينها القرار (138) الخاص بتقسيم فلسطين إلى دولتين عربية واسرائيلية جزء من القانون الدولي فان نصف الارض المقامة عليها الان دولة اسرائيل ارض فلسطينية قانونا وشرعا. وهذا بدوره يقود إلى قضية اللاجئين الفلسطينيين الذين طردوا من اراضيهم أو اضطروا للهروب منها عام ,1948 واذا كانت اسرائيل لا ترفض عودة هؤلاء اللاجئين أو ورثتهم إلى ارضهم فحسب بل ترفض ايضا تعويضهم فكيف يستقيم ذلك مع المطالبات المالية اليهودية بتعويضات من جهات عربية؟ ولنفترض ان العرب اعتبروا وجود الدولة اليهودية امرا واقعا صار في ذمة التاريخ, فأين المطالبات العربية بتعويضات مالية نظير احتلال اسرائيل اراضي عربية لاكثر من ثلاثين عاما متصلة واستثمار مواردها اسرائيليا؟ وغاية القول انه اذا فتح باب التعويضات فليفتح على مصراعيه, ومع ذلك فان استرداد الحقوق المغتصبة لا يعتمد فقط على العدالة القانونية للمطالبة, انه يعتمد كذلك, وبدرجة اعلى, على قوة الارادة. أحمد عمرابي