عندما اعلن الاخوة في تلفزيون أبوظبي عن قرب البث التلفزيوني لقناة جديدة اسمها (الامارات) استبشرنا خيرا وقلنا: الحمد لله جاءنا الفرج الاعلامي اخيرا, خاصة وان الاخوة قد اكدوا فيما يشبه البشارة, وسط حالة من الاعلام العربي المعتمد على سياسة التهريج وتدمير الذائقة بان برامج قناة (الامارات)ستحمل روح الامارات ونبضها وثقافتها وهويتها, وكل مايتعلق بتفاصيلها العامة كمجتمع متطور. اليوم لم يمر على هذه القناة سوى أيام معدودة, والحكم مازال مبكرا جدا, فهي مازالت في مرحلة التجريب, لكننا مع الفكرة الكبيرة التي قامت القناة لتكريسها, ونتمنى ان يبقى المسئولون عند كلمتهم, وان تظل بشارتهم ماثلة امام اعينهم, وان يظل الوعد وعدا لاتطاله يد العبث والسذاجة المنتشرة ضمن آفات الفضائيات العربية, بدءا بالبرامج فارغة المحتوى والتي تبدأ عادة بعبارة (الو ممكن اشارك) وانتهاء ببرامج التسطيح الذهني والترويج التجاري للفنانين والفنانات. هل ندس انوفنا فيما لايعنينا؟ لا اعتقد ابدا, وسوف يشاركني في هذا الاعتقاد الكثير من الناس الذين يعتقدون ان سنوات اعمارنا التي نهدرها في ساعات مشاهدة للتلفزيونات المحلية والعربية لم تستطع بعد هذا العمر ان تقدم لنا شيئا للأسف. فلقد مرت أيام رمضان وايام العيد كما مرت ايام كثيرة قبلها, وليس على شاشاتنا من احد مهم ولاشيء يستحق المناقشة والنظر, سوى ماقدمه النجم الفلاني والفنانة الفلانية والمخرج العلاني وبطل الغنائيات وبطلة الدراما و.. وسيل من الالقاب والبطولات التي تتمحور وتبدأ وتنتهي عند الفن تمثيلاً وطربا, وكأن الحياة والاحياء توقفوا عند هذا الحد, وكفى الله المشاهدين شر الباقي! حياتنا مليئة بنماذج من الرجال والنساء من عمق هذا المجتمع, من نسيجه ورحمه, يعرفون نبضه وجذوره وتفاصيله ودقائقه التي كانت والتي تجري اليوم, في التجارة والنجارة, في الشعر والادب, في الصحافة والطب, في الالعاب الشعبية وفي الموروث الشعبي الخاص باللؤلؤ, وأنساب القبائل, بالمدن القديمة, بالاحياء و(الفرجان) بأهل الامارات وتطورهم وذائقتهم, بأيامهم العصيبة, وتعاملهم مع فترات الازمات والحروب, بأعيادهم وأفراحهم, بأهازيجهم و.. و.. أين هؤلاء من الاعلام ولقاءات التلفزيون؟ أليس ذلك احدى مهماته؟ توثيق تاريخ المجتمع وتسجيل الذاكرة الشفوية لهؤلاء الباقين من ايام العمر الماضي والذين يملكون مفاتيح ذاكرة الأمكنة والازمنة والوجوه؟ هؤلاء عندنا أجمل وأهم الف مرة من راغب علامة وأصالة ونجدت انزور وغانم السليطي وعبدالله السدحان و.. لا لأن هؤلاء ليسوا مهمين, ولكن لأن هؤلاء ترددوا على أعيننا وأسماعنا آلاف المرات, وما يقولونه اليوم قالوه بالامس وسيعيدونه غدا, اناس لايجيدون سوى الكلام, يبيعونه مغلفاً بابتسامات تعود عليهم بالترويج والمنفعة المادية, ولاتعود علينا نحن بشيء على الاطلاق. نحن اليوم نسأل ـ للأيام المقبلة ـ كما سألنا البارحة وسنظل نسأل الى مالانهاية: إلى متى ستظل تلفزيوناتنا تدور في دوامة البرامج المعلبة والمقلدة والمعتمدة اعتماداً كليا على لقاءات مكررة وممجوجة لجماعات الفنانين والفنانات؟ ياجماعة لقد مللنا وتشبعنا وبشمنا وفاض بنا الكيل, هل نقول أكثر؟ هل نقول باننا في السبعينيات كنا نشاهد برامج تحترم عقولنا واليوم لقد دمرتمونا بما فيه الكفاية, ونزعتم ورقة التوت الباقية من آخر معاقل اذواقنا وأذواق جيل بأكمله, صدّق تفاهات مايعرض على الشاشات من مسلسلات وفيديو كليب واعلانات وبرامج. انتبهوا ايها السادة فإن ما يحدث على الشاشة ليس امرا يحتمل التمرير او يمكن أخذه ببساطة, انه خطير جدا, وعليه فقد نضطر لان نرفع أمر السياسة التلفزيونية للسادة أعضاء المجلس الوطني ولرئيس المجلس لمناقشته باعتباره الجهة المسئولة عن الشعب, ونحن هنا نحملهم مسئولية اعلام يكاد يوصلنا للهاوية بعلم أو بجهل لاندري, لكننا نحتاج الى وقفة على مستوى الدولة. ولا حل آخر.