إسرائيل تقاتل وهي تفاوض, ولاتنشغل بتحقيق السلام بقدر ما تنشغل بالحصيلة السياسية والأمنية والمالية والاستراتيجية التي ستخرج بها من عملية التسوية.هذه هي خلاصة الجولتين الأخيرتين من مفاوضات التسوية مع سوريا من جهة, ومع السلطة الفلسطينية من جهة أخرى, وهي حصيلة تتفق مع العقلية العدوانية التي حكمت اسرائيل منذ تمت إقامتها بالقهر والاغتصاب على الأرض العربية, وهي مازالت كذلك حتى الآن. فرغم كل ما أحيطت به المفاوضات على المسار السوري من اهتمام سياسي واعلامي كبير سواء من قبل الولايات المتحدة أو الاطراف المعنية أو العالم أجمع , ورغم حضور كلينتون شخصياً خمس مرات إلى ميدان التفاوض باذلاً الجهد لتجاوز المآزق وتحريك عجلة التفاوض, ورغم اللقاءات عالية المستوى التي بدأت وانتهت بها هذه الجولة من عملية التفاوض.. فإن الحصيلة النهائية محدودة, ومازال باراك يراوح قريبا من المرحلة التي وصلت إليها عملية التفاوض بين الطرفين عام 1996. ويؤكد (ماتان بن مائير) وزير الثقافة والعلوم والرياضة الاسرائىلي من ناحيته, أن لب المفاوضات بالنسبة للحكومة الاسرائىلية هي (الترتيبات الأمنية التي من شأنها أن تجعل اسرائىل دولة قوية وآمنة أكثر مما هي عليه الآن) .. أي أن ما يشغل اسرائىل هو المزيد من القوة والهيمنة, وهذا ما يفسر طلبات التسليح والدعم الاقتصادي بعشرات المليارات من الدولارات.. أي أنها تريد تحقيق أقصى استثمار غير مشروع من عدوانها واحتلالها للأرض العربية, بدل أن تدفع الغرامات والتعويضات مقابل ما سببته من دمار وعذاب للأرض وللناس وللاجئين والمهجرين, وذلك هو منطق التوسع وغرور القوة. أما على المسار الفلسطيني فقد أوضح المتحدثون الفلسطينيون والاسرائيليون أن اسرائىل (رفضت بشكل قاطع الورقة التي قدمها الجانب الفلسطيني) في الجولة الأخيرة من مفاوضات الحل النهائي, لأن هذه الورقة استندت إلى قرار الأمم المتحدة نفسه الذي جعل اسرائيل دولة على غير أرضها مقابل دولة اخرى للفلسطينيين على جزء من أرضهم واعادة اللاجئين الفلسطينيين الى أرضهم وممتلكاتهم. اسرائيل اذن تسعى الى حلول قهرية وابتزازية تناسب مصالحها وليس الى سلام عادل وشامل وقائم على قرارات الشرعية الدولية. لكنها تتجاهل عمداً أن أي (اتفاق اذعان) يفرض بالقهر ليس له صفة الديمومة والثبات, وليس له أي صفة شرعية مهما كانت صفات الموقعين عليه ان وجدت من يوقع. وعليه فان ولادة اتفاقات سلام حقة ودائمة تتطلب جهدا عربيا متكاملا يوازن اختلال القوة الاسرائيلي, ويقنع اسرائيل وواشنطن والقوى الكبرى الراعية والداعمة لعملية السلام ان من حق العرب على كل الجبهات الحصول على سلام عادل.