طالما شبهت (ميكانيزم) التفاعل الحاكم لعلاقة مصر بالسودان مدا وجزرا, إيجابا أم سلبا بالنظرية العلمية المعروفة بالأوانى المستطرقة, وبالمعنى من قوله عليه الصلاة والسلام (مثل الجسد الواحد إذا أشتكى منه عضو تداعت له سائر الأعضاء بالسهر والحمى) , والعكس دوما صحيح في المقابل إزاء علاقة السودان بمصر , وهي علاقة قدرية وأزلية يستحيل تجاهلها أو الفكاك من تبعاتها, لأنها قائمة على أسس متينة من الروابط والوشائج الاجتماعية والمعاصرة, موصولة عضويا بالتاريخ الواحد لوادي النيل, والثقافة المشتركة, والمنابع الروحية, والجوار الجغرافي دون موانع طبيعية, والتلاحم البشري (الديمغرافي) لكأنهما شعب واحد تدرجت سمرته شدة في الجنوب وخفة في الشمال, وقد لعب النيل دوره الحيوي في توثيق هذه العلاقة, لكونه شريان الحياة والنماء والاستقرار الذي صنع أول حضارة عرفتها البشرية, فيما جرى صبغها تباعا بالدماء والأرواح عبر النضال الجسور وتزامن الثورات هنا وهناك, وذلك التطابق الفريد في أطروحتها ودوافعها للخلاص من هيمنة الخلافة العثمانية ثم التحرر من الاستعمار البريطاني. وليس في أربعة أركان المعمورة بلدان وشعبان مرشحان للوحدة الاندماجية مثل مصر والسودان, وهي قد تحققت على أرض الواقع مرات ومرات إبان العصر الفرعوني, على نحو ما تشبه الطرز المتماثلة للأهرامات والمسلات والمقابر بحروفها الهيروغليفية على امتداد مجرى النيل, و كما حكم ملوك مصر السودان, كثيرا ما حكم ملوك السودان مصر, وبينهم على سبيل المثال لا الحصر باعنخي وطرهاقه, ولعل ما يدعو للعجب أن يخبو زخم النشاط الفكري والنضال السياسي الذي كانت عليه الدعوة لوحدة وادي النيل منذ عشرينات القرن العشرين حتى أوائل خمسيناته, ثم عندما نفتش عنها اليوم في ثنايا برامج الأحزاب المصرية والسودانية لا نجد لها أثرا أو ذكرا, ومن المؤسف حقا أنه كلما التقت النخب السياسية والفكرية بين البلدين على كلمة سواء لتدارك مافات من السنين والجهود المهدرة في خلافات ونزاعات الأنظمة التي تعاقبت على الحكم في القاهرة والخرطوم, إذا بالبعض يجنح بالحوار الى إجترار مرارات الماضي, وكأنهم أسرى بإرادتهم لمناهج مشبوهة وسياسات دخيلة لا هم لهم ولا دور سوى زرع الفتنة بين الشقيقين, إذن ما هي فائدة التاريخ ان لم نستثمر ذاكرته المضيئة وتجاربه وعبره في بناء المستقبل المنشود الذي يعود بالنفع المشترك وتنمية المصالح المتبادلة, والتحشد للدفاع عن أمن واستقرار وادي النيل. أذكر بالمناسبة ما درج الكتاب والمفكرون عليه عند التصدي لإشكالية العلاقات المصرية السودانية انهم يسترشدون غالبا بالعبارة المأثورة عن رجل الشارع البسيط في السودان (مصر والسودان حته واحدة) وأذكر كذلك أنني سألت المفكر السوداني ووزير الخارجية الأسبق جمال محمد أحمد يرحمه الله عن أسباب هذه الإشكالية, وقال أنها لعبة السياسيين, ولو أنهم أخلوا الساحة للشعبين لكانت الوحدة التطور الطبيعي والخاتمة المحتومة للعلاقات واستعادة سابق مصداقيتها وفعاليتها, ولعله لم يتجاوز الحقيقة في ضوء ما نشهده الآن من حقائق لا تقبل الشك والتأويل, فعندما ادلهمت بالسودان مشاكل غياب الحرية الديمقراطية والحرب الأهلية في أعقاب استئثار الجبهة الإسلامية بالسلطة والنفوذ والثروة عام ,1989 بدأت ظاهرة نزوح الشعب السوداني إلى مصر تستفحل تدريجيا إلى حد وصل عددهم بالملايين, وكأنهم ينتقلون من بلدهم في جنوب وادي النيل إلى بلدهم الثاني في شماله, في الوقت الذي أفضت لعبة السياسة وسيادة الفكر الأحادي إلى إلغاء التعليم المصري والاستيلاء على مقراته, وإلى حد التهليل لهذا القرار كما لو أنه انتصار لارادة أهل السودان في الخلاص من الاستعمار الثقافي المصري, ومن هنا كانت نتيجة هذه السياسات المجافية لأعراف وثوابت العلاقات تجميد نشاط كافة المؤسسات والشركات المصرية ورحيل العاملين فيها من السودان, فلم يعد فيه من المصريين الآن سوى زهاء عشرين فحسب من أعضاء في السلك الدبلوماسي وخبراء الري ومراسل وكالة أنباء الشرق الأوسط. لذلك نقول ونعيد القول بأن مصالحات الأنظمة السياسية في القاهرة والخرطوم رغم إشاعتها جوا من التفاؤل على صعيد الحد من تدهور العلاقات, لكنها لا تبني لها مستقبلا مأمونا يجنبها الخلافات والعثرات, وإذا كانت الوحدة الأوروبية قد نهضت فوق تراكم العداوات التاريخية والحروب المستمرة واختلاف اللغات وتباين الموروث الثقافي والروحي, فأولى بالشعبين المصري والسوداني أن يلجآ سويا الى ساحة الوحدة في ثبات وطمأنينة أكيدة في نجاحها مبرأة من تلك المتناقضات, فهل يسمح بتبادل الأدوار بين الشعوب عبر التمكين لها من التعبير عن رؤاها وتبني مصالحها في إنجاز الهدف المنشود من خلال القنوات الديمقراطية أو الاستفتاء الشعبي .. هذا هو السؤال؟ تلك بالطبع فرضية نظرية من الصعب أن تتحقق في ظل الديمقراطيات المبتسرة وإجراءات الطوارىء وسياسات الإملاء والاذعان, والتي يستحيل معها استبيان موقف الرأي العام في البلدين تجاه الوحدة, رغم أنها على حد تقدير الكثير من المراقبين باتت الآن أقرب منالا من أي وقت مضى لعدة أسباب موضوعية, بينها بلوغ الرأي العام مرحلة الوعي بالاخطاء الفادحة لسياسات التباعد والخلافات العبثية على الصعيد الرسمي, وانعكاساتها السلبية على مستوى إهدار فرص التكامل بين الموارد والامكانات المادية والبشرية والسياسية, فلو أن الوحدة تحققت مع استقلال البلدين عام ,1956 لكانت النواة الصلبة للوحدة العربية عبر قيام دولة عربية أفريقية كبرى مرهوبة الجانب, وقد توافرت لها كل مقومات النمو وأسباب الرفاهية, ثم أنه اتضح بما لا يدع مجالا للشك أن حلول معظم مشكلات مصر في السودان, والعكس صحيح, إضافة إلى عامل التحولات العالمية المتسارعة, فم يعد هناك ثمة حول ولا طول للدول الصغيرة والكيانات السياسية الضعيفة أمام التكتلات السياسية والاقتصادية الكبرى, وإتفاقية الجات ومناهج العولمة. المطلوب إذن من مصر والسودان الكف عن المصادرة على أماني الشعبين في التلاقي والانسجام الاجتماعي والثقافي والوجداني, وإتاحة أوسع المجالات أمام حرية الانتقال بين البلدين دون عوائق, وتوظيف الآليات التربوية والإعلامية والسياسية في ازالة الغياب المعرفي المتبادل, وبعدها لن تكون هناك ثمة عوائق تقف حجر عثرة أمام انجاز الصيغة الملائمة للوحدة, فقد تأتي اندماجية أو فيدرالية, وقد يغري نجاح التجربة بانضمام ليبيا وقيام دولة الأمل الثلاثي, وربما انضمام دول حوض النيل وقيام دولة الولايات النيلية المتحدة, وفي كل الاحوال علينا الا نكف عن الحلم والأمل وأن نسعى الى تحقيقه على أرض الواقع, كونه وحدة الحل والخاتمة السعيدة لمشوار طويل من التخبط والتيه.. و.. ان غدا لناظره قريب.