تشهد الولايات المتحدة في غضون بضعة اسابيع إثنين من اهم الاحداث السياسية في البلاد, الاول انعقاد المؤتمرات الحزبية لولاية أيوا والثاني اجراء الانتخابات الاولية بولاية نيوهامشاير, ومنذ عدة عقود تفتتح الانتخابات الرئاسية الامريكية بهاتين المسابقتين اللتين تعتبران اول اختبارين يلزم اجتيازهما من قبل الديمقراطيين والجمهوريين الطامحين بالرئاسة ضمن جهودهم للفوز بحق تمثيل احزابهم في انتخابات نوفمبر ومايجري الان في كل من الولايتين يشبه ماحدث خلال الانتخابات الرئاسية السابقة مع وجود بعض الفوارق الجوهرية. تقدم كل من ولايتي أيوا ونيوهامشاير على حد سواء ما اصبح يعرف بـ (السياسة بالتجزئة) التي تعني ان المسابقات السياسية في كلتيهما تمثل تجارب ديمقراطية منفتحة حقيقية وحتى يفوز المرشحون في هاتين الولايتين عليهم ان يلتقوا شخصيا بالمقترعين ويعقدوا اجتماعي بلدية ويدخلوا في مناظرات عامة مع منافسيهم. وقد امضى كل من المرشحين عدة اشهر في تنظيم حملاته الانتخابية في كل من الولايتين وعندما لوحظ ان مرشح الجبهة الجمهورية الوطنية جورج بوش بدأ يتراجع في نيوهامشاير, بسبب عدم دخوله في تواصل شخصي مع ناخبي الولاية, سارعت حملته الانتخابية الى اجراء اصلاح دراماتيكي على جدول اعماله لارجاعه الى الساحة السياسية طيلة شهر يناير ومع ان ولايتي آيوا وينوهامشاير لا تنتخبان سوى عدد قليل نسبيا من الممثلين الذين يوفدون للمشاركة في المؤتمرات الحزبية الوطنية, الا ان اهميتهما تفوق اعداد ممثليهما. واذا كانت حملة انتخابية ما تحتل مكانا في الصدارة على مستوى البلاد ولم توفق في احدى او كلتي هاتين الولايتين, فإنها تفقد مصداقيتها وزخمها الوطني, وفي المقابل, اذا حقق مرشح ضعيف نسبيا نجاحا او فاز في أيوا وهامشاير, سيعطيه هذا الفوز زخما قويا على المستوى الوطني, ويمكن ان يترجم هذا الزخم الجديد بشكل ملموس الى ازدياد في التبرعات والتواصل الوطني ورفع اعتبار المرشح, هي جميعها عوامل قادرة على تعزيز فرصه في جولة الانتخابات الاولية التالية وقد ضغطت لائحة الانتخابات الرئاسية الى حد كبير هذه السنة وباتت مختلفة تماما عن حملات انتخابات السنوات السابقة ففي عام 1988 على سبيل المثال, انتقلت الحملة, بعد آيوا ونيوهامشاير, ببطء عبر بقية الولايات الامريكية. وباستثناء اسبوع واحد, قام خلاله عدد من الولايات الجنوبية باجراء الانتخابات الاولية في آن واحد لم تشهد معظم الاسابيع الاخرى سوى مسابقة او مسابقتين انتخابيتين فقط في كل اسبوع,. ولم يحسم التنافس حتى شهر يونيو, حين وصلت المسابقات الى كل من ولايتي كاليفورنيا ونيوجرسي والنتيجة كانت ان (السياسة بالتجزئة) اصبحت النظام المتبع في معظم الولايات لكن الامر بدا مختلفا هذه السنة, فبعد آيوا (24 يناير) ونيوهامشاير (1 فبراير) سيكون هناك ست مسابقات انتخابية اخرى خلال شهر فبراير يتبعها في اول اسبوعين في شهر مارس انتخابات التمثيل الانتخابي في 25 ولاية تمثل اكثر 60 بالمائة من العدد الاجمالي للممثلين الذين سيتم انتخابهم وللفوز في تلك الولايات الاخيرة, لن يكون بمقدور المرشح استخدام (السياسة بالتجزئة) فهو لن يستطيع الالتقاء بالمقترعين او حضور اجتماعات البلديات او ان يصبح معروفا من خلال التواصل الشخصي. اذن للفوز في هذه الولايات وبالتالي الفوز بالترشيح, يتطلب الامر اموالا طائلة للانفاق على الاعلانات التلفزيونية ولنقل المرشحين بسرعة من ولاية الى اخرى, لاضفاء الطابع الحدثي الذي يضمن تولي وكالات الانباء مهمة تغطيته اعلاميا. ويمثل هذا الوضع عدة مشاكل لكلا الحزبين على الجانب الجمهوري, هناك مرشحان يضمنان الحصول على المال اللازم للمنافسة, فقد جمع جورج بوش الى الان 67 مليون دولار وهو رقم قياسي في تاريخ الحملات الانتخابية الامريكية اما الملياردير ستيف فوربس, فقد اشار الى ان سينفق من ثروته الخاصة اي مبلغ يضمن بقاءه في حلبة المنافسة. لكن الجمهورين الاربعة الاخرين (مكين وهاتش وباور وكييس) لايزالون يفتقرون الى مصادر المال الضرورية لبقائهم في الانتخابات بعد انقضاء مرحلة الولايات الاولى, لذلك يتحتم عليهم احراز نتائج جيدة جدا في كل من ايوا ونيوهامشاير والولايات الاخرى التي ستشهد المسابقات في بداية فبراير حتى يحظوا بالزخم اللازم لجمع التبرعات والشعبية الوطنية التي ستحملهم الى نهاية الحملة, واذا ادى فوربس جيدا في آيوا ونجح في اخباء نجم بوش, واذا أحرز مكين تقدما غير متوقع في أيوا ثم كسب في نيوهامشاير وتابع انتصاراته في ثلاث ولايات على الاقل من اصل المسابقات الستة التي ستجرى في فبراير, هذا سيعني فرصا جديرة لمكين ومشاكل حقيقية لبوش. ووفقا لهذا السيناريو قد يستطيع مكين المضي قدما في الانتخابات, جامعا التبرعات ومكتسبا الزخم اللازم لمنافسة حملة بوش المتضررة. ومن الناحية الاخرى, اذا فاز بوش بسهولة في أيوا وكسب معظم جولات فبراير, ستحسم المنافسة وسيغدو بوش المرشح الجمهوري للرئاسة. وعلى الجانب الديمقراطي, الذي يشهد في نيوهامشاير تنافسا قويا بين جور وبريدلي يحتاج جور أن يحرز انتصارا مبكرا حاسما على بريدلي والا سيواجه احتمال خوض نزال ساخن مع خصمه اللدود بريدلي حتى النهاية واذا استطاع جور ان يحرم بريدلي من زخمالولايات الاولى, سيشل بذلك قدرة بريدلي على جمع التبرعات ويوطد نفسه على انه المرشح الديمقراطي المحتوم. وباستعراض النقاط السابقة, يمكننا تبين مدى اهمية مسابقات أيوا ونيوهامشاير في معرض السباق الاجمالي الى البيت الابيض ومن الاهمية بمكان ان نرصد حقيقة انفتاح العملية الانتخابية في ايوا. ففي الـ 24 من شهر يناير الحالي سيدعى 3.2 مليون شخص من سكان أيوا, ممن بلغوا السن القانوني للاقتراع وحضور 2100 مؤتمر حزبي تعقد في مختلف انحاء الولاية, والديموقراطية في هذه المؤتمرات تكون كاملة, اذ ينتخب الحضور بداية من بينهم رئيساً لادارة الاجتماع. ثم ينتخبون برفع الأيادي, المرشح الذي يقع عليه اختيارهم, ليختاروا بعد ذلك اربعة نواب يمثلون خياراتهم في مؤتمر حزبي آخر, يعقد على مستوى اقليمي (تستمر هذه العملية على مدى الشهور الأربعة المقبلة الى ان تنتهي بمؤتمر ولاية ينتخب خلاله النواب الذين سيمثلون ولايتهم في المؤتمر الوطني) ويتم تخصيص عدد من الممثلين للمرشحين حسب نسبة الاصوات التي حصلوا عليها في الاجتماع العام. لذلك اذا حصل كل من جور وبريدلي على 50 بالمائة من مجموع الاصوات في المؤتمر الحزبي, عندها يحظى كل منهما بممثلين يرافقانه الى الجولة التالية. من المهم ان نلاحظ هنا انه بعد اختيار الممثلين, يصوت المؤتمر الحزبي ايضاً على القضايا التي سيتم طرحها خلال مؤتمر الولاية وقد أقر مواطنو ولاية أيوا, فيما سبق عدة قرارات مؤيدة للعرب, كان الامريكيون العرب قد قدموها خلال تلك المؤتمرات الحزبية. وبالنظر الى أهمية مؤتمر أيوا الحزبي للعملية الانتخابية الاجمالية في تحديد من سيحكم الولايات المتحدة في الفترة الرئاسية المقبلة والانفتاح الكامل الذي يميز العملية الانتخابية هناك والاموال الطائلة التي ينفقها المرشحون خلالها, تبقى المشكلة هي عدم الاكتراث الذي يبديه سكان أيوا, والامريكيون بشكل عام, إزاء السياسة والمؤتمرات الحزبية وصناديق الاقتراع. ومن بين الـ 3.2 مليون شخص الذين يحق لهم التصويت في أيوا لا يحضر المؤتمرات الحزبية سوى أقل من عشرهم وواقع الامران 60 ألف ناخب فقط هم الذين يحددون اي الناخبين سيحصل في أيوا على الزخم اللازم لمواصلة السباق الانتخابي. وتبدو الصورة افضل في نيوهامشاير على انها ليست مثالية فهناك يتوجه الناخبون الى صناديق الاقتراع في يوم الانتخاب, لكن نادراً ما يصوت اكثر من ثلث المواطنين الذين يحق لهم التصويت. وبالرغم من عدم التطرق كثيراً لهذه النقطة لكنها في غاية الأهمية, فأيوا ونيوهامشاير تؤويان اهم مسابقات انتخابية في اقوى بلد على المعمورة ومع ذلك لا يعبأ سوى عدد قليل جداً من مواطنيهما بالذهاب الى المؤتمرات الحزبية او صناديق الاقتراع. وهذا العدد القليل هو الذي سيحسم تلك المنافسات التي تلعب دوراً حيوياً في تحديد من سيحكم الولايات المتحدة خلال السنوات الأربع المقبلة. * رئيس المعهد العربي الامريكي بواشنطن