يبدو ان المرحلة الاكثر صعوبة بالنسبة للقوات الروسية في الشيشان قد بدأت بالفعل ميدانيا, وهي تؤكد ما سبق ان ابرزته الحرب السابقة (1964 ـ 1966) من استحالة الحسم العسكري ميدانيا, وان التفاوض هو السبيل الوحيد لتحقيق طموحات الشيشانيين المشروعة, ولصيانة ماء وجه روسيا ومستقبلها ولصياغة علاقات سوية ومقبولة بين العاصمة المركزية موسكو والاطراف عموما. فمع اعادة تفجير الحرب, واندفاع القوات الروسية الى الشيشان من الجهات الاربع, كان الجيش الروسي يحاول الاستفادة من خبراته السابقة لتحقيق نصر سريع بأقل خسائر ممكنة ولذلك دخل الى هذا البلد بقوات مدرعة كثيفة هاجمت من الجهات الاربع مع اسناد صاروخي وجوي ومدفعي شديد القوة والتدمير, حتى بدا وكأنه يعمد الى سياسة (الارض المحروقة) التي لا تبالي من اجل تحقيق النصر بتدمير المدن والقرى وقتل كل من يعترض سبيلها. والى جانب ذلك لجأت موسكو لتوظيف خبرات اجهزة استخباراتها في السعي الى اختراق صفوف الشيشانيين وتمزيقهم واحتلال مدن عدة دون قتال يذكر, مع محاولة تجنيد جيش عميل منهم شبيه بما فعلت اسرائيل في جنوب لبنان, لتدفع به في مقدمة قواتها المهاجمة للعاصمة الشيشانية. وبدا لوهلة وكأن هذه الاستراتيجية قد حققت نتائجها الى ان تغير الموقف في مدينة جروزني والمواقع الجبلية المحيطة بها, فرغم كل عمليات القصف الهائلة التي ظن الروس انها فرشت الارض امامهم واخلتها من المقاتلين, إلا ان الشيشانيين انطلقوا من مكامنهم هناك بقوة وفاعلية ادت الى وقوع خسائر كبيرة في صفوف القوات الروسية. وأكثر من ذلك ففي الوقت الذي كان يدعو فيه مسخادوف لوقف اطلاق النار في فترة الاعياد بدا وكأن زمام المبادرة في الحرب انتقل الى ايدي المقاتلين الشيشان الذين استعادوا ثلاث قرى قرب جروزني, ثم مدينة (أرجون) الى الجنوب منها, وشنوا حرب عصابات في مدينة (شالي) ومواقع اخرى في جنوب شرق الشيشان, كما اكد عسكريون روس قيام القوات الشيشانية بمهاجمة خطوطهم الخلفية, واعترف بعضهم بأن (وحداتهم عانت من خسائر كبيرة بالارواح في الشيشان وانجوشيا) . وذلك كله يؤكد ان الحسم العسكري صعب ان لم يكن مستحيلا وان كل يوم تأخير قبل العودة الى مائدة المفاوضات يؤدي فقط الى مزيد من الخسائر غير المبررة لدى الطرفين المتحاربين.