لا اظنني ابالغ اذا قلت: ان عمر الحساسية في العلاقات الفلسطينية السورية, هو بعمر الثورة الفلسطينية. وعلى خلاف الحساسيات, و التوترات التي طالت العلاقة الفلسطينية مع معظم الدول العربية تقريبا, والتي ارتبطت بحوادث او محطات معينة, وكانت لفترات زمنية محدودة, ولاسباب كانت في اغلب الاحيان ظاهرة او معروفة , فان امر الحساسية الفلسطينية السورية مختلف. فقد بدأت ولم تنته, ولم تنقطع ايضا. فكانت بذلك اطول الحساسيات, او قل الخلافات, عمرا واكثرها تواصلا, واوسعها رقعة, بحيث تجاوزت حدود العلاقات المباشرة, واما اسبابها فقليلا ما كانت ظاهرة, وغالبا ما كانت خفية, او دفينة. وعلى مدى سنوات العلاقة, فان فترات الهدوء او التقارب بين الطرفين كانت تخفي مبررات الصدام وعوامله, فلا يطول انتظاره. ولم يشفع في التقليل من هذه الحساسيات ان الثورة الفلسطينية انطلقت من الارض السورية, وان سوريا كانت حاضنتها العسكرية والامنية, وان وسائل اعلامها هي من اطلق صوت الثورة الفلسطينية الى العالم, وقدمها له. وربما على العكس, كانت هذه النقطة بالذات هي بداية التحسس, وسببه, من حيث رؤية كل طرف وفهمه لهذا الدور السوري. ولذلك بدأت التوترات في العلاقة منذ السنة الاولى او الثانية تقريبا لانطلاقة الثورة, وقد كنت مطلا عن قرب على تلك الاحداث التي وصلت حد اعتقال القيادة الفلسطينية في تلك السنوات الاولى. وكان يمكن لاستمرار القيادة نفسها تقريبا على رأس كل من الطرفين منذ اواسط الستينيات حتى اليوم ان يخلق قدرا من الفهم المشترك لبعضهما, او التفاهم المشترك بينهما, او حتى تعاون المضطر مع الشريك الذي لا مفر من شراكته, انطلاقا من وحدة القضية والهدف والعدو, الا ان ما تحقق كان العكس, عملا بقاعدة الفقه السياسي العربي التي تقول: ان الخلاف هو الاصل. وبعيدا عن سرد الخلافات والتوترات والصدامات الدامية التي سادت هذه العلاقات واسبابها ودوافعها, وعلى من تقع مسئوليتها, حتى (لانقلب المواجع) كما يقال, الا ان الحساسية لم تنقطع, وكانت ابسط الاسباب او الكلمات تستثيرها, حتى لو كان ذكر حقيقة تاريخية او جغرافية كالقول ان فلسطين هي جنوب سوريا. فمثل هذه الحقيقة التاريخية حين كانت تأتي من الجانب السوري, كان الجانب الفلسطيني يرى فيها معنى مقصودا يهدف الى الانتقاص من استقلالية القرار الفلسطيني. هذه الحساسية القديمة, وعدم الثقة المتبادلة والاجراءات القاسية التي تعرض لها الفلسطينيون قادت الى الشك في كل خطوة يتخذها الطرف المقابل وقد شكل هذا الشك والتخوف من الآخر هاجسا دائما لدى القيادة الفلسطينية, وفي احيان كثيرة تحكم في العديد من خطواتها وتوجهاتها, واستطيع القول انه كان عنوانا حاضرا في معظم اجتماعاتها. وليس من المستبعد ان يكون هذا العامل قد لعب دوره في اقدام الجانب الفلسطيني على استعجال الانخراط في اتفاقيات اوسلو منفردا, الامر الذي عمق هوة الخلاف بين الطرفين. وفي هذا السياق المتوتر, الذي حكم العلاقات, جاءت ردة الفعل الفلسطينية, السياسية والاعلامية, على تحرك مسار المفاوضات السورية الاسرائيلية, وتوقع وصولها الى نتائج سريعة, في وقت يتعثر فيه المسار الفلسطيني, وتقل حصيلته بعد مرور ست سنوات على الخطوة الاولى, وتفصح فيه حكومة اسرائيل عن مخططاتها التي لن تقدم للجانب الفلسطيني الا اقل القليل... تحمل قدرا كبيرا من الحدية والعصبية, عكست التخوف القديم, وعبرت عن شعور عميق بالقلق فيما لو تقدم المسار السوري, واستمر تعثر مسارها. ولم تفلح في التخفيف من هذا القلق كل التطمينات التي تلقتها القيادة الفلسطينية من الجانبين الامريكي والاسرائيلي. وهي على اية حال تطمينات لا يمكن الوثوق بها. لكن بعض ردود الفعل الاعلامية, والمقالات الصحفية خرجت عن المألوف, وتجاوزت حدود الخلافات السياسية, واثارت مسائل طائفية هي ابعد ما يكون عن التفكير الفلسطيني وسلوكياته. وبعضها ذهب الى التعريض بالخطاب القومي العربي, والتنديد بدعائه, متجاهلا البعد القومي لقضية فلسطين, والتضحيات العربية في سبيلها, بما فيها تضحيات الشعب العربي السوري, وخالطا بين الخطاب الرسمي العربي والخطاب الشعبي, وغير مدرك ان الايغال في هذه السياسة التي تقوم على تعزيز النزعة القطرية الفلسطينية, ووضعها في موضع التناقض مع القضية القومية, او البديل لها, له نتيجة واحدة, وحتمية, هي الوقوع اكثر فاكثر في الحضن الاسرائيلي, والخضوع لشروطه. وفي سياق هذه الحملة المتسرعة, والعصبية, راحت بعض الاصوات تطالب سوريا بان تعيد للجانب الفلسطيني تلك الاراضي الفلسطينية المحدودة التي تقع على ضفاف طبريا, وقرب الحولة. وكأن اسرائيل انسحبت من الجولان ومن تلك الاراضي واعادتها الى سوريا. وكأننا ايضا استعدنا كل الاراضي الفلسطينية المحتلة من اسرائيل, ولم يبق لنا غير مطالبة سوريا باعادة تلك الوديعة. وهنا ايضا يقع اصحاب هذه الدعوة المتسرعة في خطيئة كبرى تخرج هذه الاراضي من دائرة التفاوض السورية الاسرائيلية, وتقوي موقف الجانب الاسرائىلي وتمنحه المبررات الكافية للاحتفاظ بها. وعموما, فان جميع ردود الفعل الفلسطينية على الموقف السوري, لم تلحظ, او تجاهلت, ان كل ما اخذته على سوريا, وقع فيه الجانب الفلسطيني من قبل. سواء كانت هذه الانتقادات تتعلق بالتفرد, او تراجع الخطاب القومي. فكلنا بيوتنا من زجاج وزجاجها مشروخ, في مواجهة القلعة الاسرائيلية. وبالتالي فليس لطرف ان يدل بموقفه على الآخر. الا اذا كان المقصود من ذلك كله تبرير المواقف, تطبيقا للمثل الشعبي (ما فيش حد احسن من حد) . ان مثل هذه المواقف والتعليقات لا تعكس فقط حالة من التخوف, وانما تعكس حالة ضعف في الموقف الفلسطيني, وفي الوقت نفسه لا تجلب له القوة, وانما تدخله في مزيد من الصراعات, والخلافات داخل الصف العربي. وهذا هو بالضبط ما تريده اسرائيل. التي لا تخفى عليها الحالة العربية, ولا يغيب عنها استثمارها الى ابعد الحدود. ويهمها ان تضع الطرفين المعنيين, الفلسطيني والسوري, في موضع المنافسة على طلب ودها, والتقرب اليها لتكون له الافضلية لديها. وذلك بالطبع يتوقف على من يقدم لها عرضا ادنى سعرا من عرض الآخر, وفيه تنازلات واسترضاءات اكثر, حتى يرسو عليه العطاء. ولن تتورع, في مجال ابتزاز الطرفين. لقد آن للاطراف العربية عموما, ومن بقي منها في حلبة المفاوضات بوجه خاص, ان تدرك انها جميعا في موقف صعب وليس في وسع احد منها ان يدعي امتلاكه لعناصر القوة وحده, وان وضعها, او وضع نفسها بنفسها, في مواجهة بعضها بعضا لا يخدم ايا منها, وان التنافس بينها له عنوان واحد هو من يصمد اكثر في وجه الضغوط, ومن يتشبث اكثر بالحقوق الوطنية والقومية. ومن يعزز اكثر من موقف الآخر بصلابة موقفه., وكل هذه العناوين لا يمكن تحقيقها الا بالتكامل, وبسد الثغرات امام المناورات الاسرائيلية, وبالحيلولة دون قيام طرف بحل مشكلته على حساب الطرف الآخر. فالارض المحتلة تحمل كلها صفة عربية. ان مثل هذا الموقف وحده هو القادر على وضع حد للتعنت الاسرائيلي ووحده القادر على حشد الجهد العربي خلفهما, ووقف الهرولة نحو التطبيع مع اسرائيل. ويمكن لهذا الموقف المتسمم بالصمود, ان يشكل محطة انعطاف في المسار العام للسياسة العربية المتهالكة على اعتاب اسرائيل والولايات المتحدة الامريكية. وذلك بالبناء عليه والدعوة الى قمة عربية على اساسه. فيتحدد عنوان القمة ـ اضافة لعنوان فك الحصار عن العراق ـ بالبحث في كيفية مواجهة التعنت الاسرائيلي والضغط الامريكي. لان اي قمة تعقد على غير هذا الاساس, وفي ظل استمرار تناقض الموقفين السوري والفلسطيني, وتنافسهما. ستكون مظلة امريكية لمنح الغطاء العربي للحل الاسرائيلي. فالمواطن العربي يدرك تماما ان من عطل انعقاد القمة العربية حتى الآن هو الادارة الامريكية, للحيلولة دون اتخاذ موقف عربي موحد بفك الحصار عن العراق, ودون قيام سياسة عربية موحدة تلزم الدول العربية بعدم التطبيع مع اسرائيل قبل الانسحاب الاسرائيلي الكامل من الاراضي المحتلة واستعادة الشعب العربي الفلسطيني لحقوقه الوطنية. وفي ظل الترويج الحالي للقمة, الذي عاد يطل على الساحة العربية هذه الايام, فان الموقف من هاتين القضيتين سيكون المقياس الذي يحكم به المواطن العربي على القمة. ان كانت امريكية ام عربية.