هل انتهى شهر العسل في الجزائر بين (جبهة الانقاذ الاسلامي) والدولة؟ وبالتالي هل يرتد الوضع السياسي الى المربع الاول حين كان (جيش الانقاذ الاسلامي) , الذراع العسكرية للجبهة يخوض حربا مكشوفة ضد السلطة وجيشها من اجل استعادة الديمقراطية التعددية الكاملة التي كانت سائدة حتى مطلع تسعينيات القرن المنصرم؟ هذا السؤال صار مطروحا بالحاح شديد بعد صدور بيان الاسبوع الماضي من قيادة جبهة الانقاذ الاسلامي اعلنت فيه التعبئة العامة بين صفوف مقاتلي (جيش الانقاذ) لكن لم تكد تمضي بضعة ايام على صدور هذا البيان حتى لحقه اعلان مضاد منسوب الى قيادة (جيش الانقاذ) يفيد بأنها تعمل على حل هذا (الجيش) وتسريح كوادره. فما هو سبب هذا التناقض.. واين تقع الحقيقة؟ لنعد الى بداية القصة. لقد سبق ان بايعت (الجبهة) الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة على مشروع (الوئام الوطني) وفق صفقة يلقي بمقتضاها (جيش الانقاذ) سلاحه نهائيا في مقابل ان تسمح الدولة للجبهة المحظورة بالعودة الى الحياة السياسية الطبيعية لممارسة نشاطها كحزب عادي في اطار تعددية ديمقراطية فلماذا تريد قيادة الجبهة الآن ان تنقض هذه البيعة بغض النظر عن البيان المنسوب الى قيادة جيشها؟ منذ البداية كان هناك سياسيون جزائريون يشككون في طبيعة العلاقة بين الرئىس بوتفليقة وقيادة المؤسسة العسكرية وبدأ تداول هذه الشكوك منذ المعركة الانتخابية الرئاسية حين اشاع خصوم بوتفليقة بأنه (مرشح الجيش) طاعنين بذلك في نزاهته السياسية لكن المراقبين الموضوعيين, اذ يشيدون بوطنية الرئيس فأنهم ينبهون الى انه لايملك حزبا او تنظيما سياسيا شعبيا يجعله في موقف يمكنه من تحدي جنرالات المؤسسة العسكرية. ولقد اثبتت الاحداث المتتالية منذ ممارسة بوتفليقة سلطاته كرئيس للبلاد صحة هذا الحكم الامر الذي خلق شعورا متناميا بالقلق والتخوف في نفوس قيادات (جبهة الانقاذ الاسلامي) . اولا لم يتمكن الرئيس من اعلان تشكيل وزاري لمدى شهور متصلة, وكان تفسير المراقبين ان الجنرالات كانوا يعترضون على اسماء الاشخاص والقوى السياسية التي يتقدم بها الرئيس في كل مرة. وعندما اعلن التشكيل الوزاري اخيرا قبل نحو اسبوعين اتضح ان كل القوى السياسية التي يرفضها الجيش ومن بينها (جبهة الانقاذ) مستبعدة تماما من التشكيل. ولا شك ان هذا الموقف العدائي اثبت لقادة (الجبهة) شكوكهم في ان قادة الجيش يرفضون عودة (الجبهة) الى الحياة السياسية المشروعة. ووسط هذا المناخ المريب جرى حادث اغتيال فجائي كان ضحيته عبدالقادر حشاني, احد ابرز قادة (الجبهة) واكثرهم اعتدالا. ورغم ان السلطات الامنية استطاعت اعتقال القاتل قبل اسابيع الا ان شيئا لم يسمع عنه بعد ذلك وكأنما يراد للقضية ان تطوى. ومما يجدر ذكره في هذا السياق ان الحجز المنزلي لم يرفع عن قادة الجبهة الاخرين وفي مقدمتهم مدني وبلحاج. وشكوك قادة الجبهة كانت تعتمل وتتنامي على خلفية افق سياسي اصطبغ بالدم من جراء مذابح ظلت تقوم بها على نحو اسبوعي او يومي (الجماعة الاسلامية المسلحة) . وهي تنظيم (ما فياوي) مريب يجزم كل المراقبين المحليين والغربيين بأنه على علاقة تواطئية مع قيادة المؤسسة العسكرية ويأتمر بأمرها, ومن المثير ان السلطات الامنية اقرت رسميا بأن قاتل حشاني ينتمي الى (الجماعة الاسلامية المسلحة) . واذا كان قادة (الجبهة) توصلوا اخيرا وفقا لهذه الاعتبارات الى قناعة نهائية بالعودة الى السلاح فلماذا تتخذ قيادة جناحهم العسكري موقفا مناقضا. كما افاد البيان المنسوب الى هذه القيادة؟ ان هذا التناقض يعني احد احتمالين: اما ان البيان غير صحيح, وفي هذه الحالة يكون, اذا صحت الفرضية, صادرا عن السلطات الامنية الرسمية, واما ان هناك انشقاقا بين قادة (جيش الانقاذ) وفي هذه الحالة يكون البيان صحيحا بقدر ماهو يعبر عن وجهة نظر فريق منشق ضد فريق اخر. وفي تقديري ان الفرضية الثانية اقرب الى الحقيقة مما قد ينذر باحتمال وقوع اقتتال بين وحدات جيش الانقاذ الاسلامي نفسه.