العيد موسم الفرح المتجدد لهذه الأمة, وشرط جميل لتواصل اجمل بين الجميع بعيداً عن حالات ضيقة ولا انسانية من الجفاء والنسيان والتجاهل والتباعد, يدخلها الانسان مختاراً احياناً ومكرها احياناً اخرى خلال ايام عمره الطويلة. أيام العمر كالحقل تماماً, تمر بها مواسم الجفاف القاحلة, ثم تبتسم لها مواسم اخرى يغرد فيها العطاء والمحبة , ووحده الانسان يستطيع ان يقرر كيف يحرث الحقل وماذا يبذر فيه وبالتالي ماذا ينتظر في نهاية موسم البذار والحصاد. وفي حقل الأيام, يكون الأهل والاحبة والاصحاب والابناء والجيران والزملاء ووجوه مرت تركت بعض البصمات من الاصوات او المواقف, يكونون ارضنا التي زرعناها طوال الايام لنأتيها بعد ذلك نحصد ما زرعناه, فإذا زرعناها بالحب حصدناها بالمحبة, واذا كانت البذور معطوبة كان الموسم كله سنين عجافاً, يأكلن ما تقدم من العمر بلا طائل. في العيد نتبادل التهاني والامنيات, نلبس الجديد, نوزع البسمات والضحكات نستقبل اناساً يهلون علينا كالمواسم مرة او مرتين فيتلون الهواء والمكان برائحتهم المميزة في ذلك اليوم ننتظرهم بلهفة, فإذا لم يهلوا عرفنا بأن شيئاً ما قد اختل في نظام الكون, وتبدأ قلوبنا في ممارسة القلق. نعتاد ان يأتينا البعض, وكأنه طقس يتداوله رهبان في معبد عتيق منذ آلاف السنين يزول ألق الطقس احياناً, ونفقد نسغه احياناً لأننا ضمنا تكراره الابدي, وكأنه لن يأتي ذلك اليوم الذي نفتقد فيه هؤلاء, او توقفهم حادثات الايام والليالي عن الحضور لهذا الطقس الجميل. فقط لو اننا نكسر روتين الطقس ونحول الجمال لضفاف اولئك الذين تعب العمر وهم يتعبون انفسهم لأجلنا لأجل التواصل بنا, لتلمس دفء اكفنا في مصافحة الصباح العيدي الطاهر فقط لو نطير اليهم لنفرغ دفء قلوبنا في قلوبهم, لنقول لهم, نحن ايضاً بإمكاننا ان نعطي, وبأننا لم نفقد ذاكرة العطاء, وبأن العيد قد جعلها اكثر تألقاً بكم ولكم. في موسم كالعيد يتذكر القلب اشخاصاً واشياء ما كانت على الخاطر طيلة ايام العام ولا ندري كيف تهل التذكارات, وتتقاطر كندى لذيذ على اوراق القلب والذاكرة.. فنشع بعد موسم العبادة الطويل, نشع تفاعلاً وعطاء, وما علينا سوى ان نعطي انفسنا لهذا الشعور دون تردد ودون تفكير. قد ننسى قلوباً تهفوا الينا طوال الايام الماضية, او تتراكم على نفوسنا جبال من التفاصيل تدفعنا لخانة لا نرغبها, لكننا لا ننسى مختارين او طائعين.. ان الذين نحبهم يبقون حقولنا ومواسمنا التي نزرعها بالحب ونحصدها بالعرفان.