سامح الله الإخوة الأوروبيين فهم لا يشعرون إلا بأنفسهم ولا يعترفون إلا بتاريخهم فالاجندة عندهم تبدأ من ميلاد المسيح والحضارة فى حسابهم بطول ألفين سنة فقط.. وهذه الأيام هى بداية الألفية الثالثة فى تقديرهم.. والاحتفالات بطول وعرض القارات الخمس وحول الكرة الأرضية تفتح ذراعيها لاستقبال الألفية الثالثة .. وما قبل ذلك كان فى حسابهم ظلمة حضارية دامسة.. ورغم أن ميشيل جار أطلق صواريخه من على هضبة الاهرامات ليدشن ألفي سنة من هذه الحضارة.. فإن الهرم الأكبر نفسه أخرج له لسانه مذكرا أنه قد بلغ من العمر أربعة آلاف سنة ومن الأهرامات الأخرى حوله ومن مقابر الفراعين ما بلغ الخمسة آلاف سنة من العمر المجيد المديد.. والتحف الثمينة والبرديات والآثار فى باطن تلك الأهرامات وفى جوف تلك المقابر تحكي بأبلغ عبارة أنه كانت هناك حضارة.. وكانت هناك علوم وفنون وعقائد ونظم ومجتمعات وحياة حافلة بكل جديد منذ ألوف السنين ومن قبل ذلك كان هناك إمتداد حضارى بعمق سبعة آلاف سنة وثمانية آلاف سنة فى الصين وفارس.. وكان هناك بوذا وزرادشت وشموس بازغة للحكمة والفن والفكر.. فكيف تخطى الإخوة الأوروبيون كل هذا بجرة قلم ولم يذكروا إلا ألفي سنة حكموا فيها وملأوا الأرض فسادا وحروبا وظلما ودمارا ودما واستعمارا ونهبا لثروات للشعوب, هم لم يذكروا إلا سيادتهم وصدارتهم وتفوقهم وعلوهم وعلومهم التى نحتوا بها الصخر ولم تترك لنا دباباتهم ومدافعهم وقنابلهم والغامهم وطائراتهم وصواريخهم النووية إلا تلوثا ودمارا أهلك الأخضر واليابس وفى النهاية ختموا أمجادهم بالزراعات المهندسة وراثيا وباستنساخ النعجة دوللى وفتح الباب لاستنساخ البشر واللعب فى الهوية الوراثية لأبناء آدم.. وحفظ البلايين من الحيوانات المنوية والبويضات المثلجة فى خزائن وثلاجات تحت الصفر.. لحين الحاجة اليها لتخليق ما يشاؤون من أجناس بني آدم, يقول عنهم ربهم أنهم (فرحوا بما عندهم من العلم) (فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم) 83-غافر وهذا حديث ربنا عن علومهم التى سادوا بها الدنيا والتى حجبتهم عن العلم الأكبر وعن الحكمة الكبرى من الحياة والموت.. تلك الحكمة التى أدركها القدماء فأقاموا من أجلها الأهرامات والمعابد ورسموا على جدرانها الحياة الآخرة والبعث والميزان والثواب والعقاب. لقد سبق علم أجدادنا الأوائل علوم المتحضرين فأورثهم الخشية ومحاسبة النفس.. وذلك هو العلم الحق الذى يورث الحكمة والتأمل لكن أصحابنا أسقطوا هذه الحضارة التى شغلت أهلها بالموت وما وراءه وشغلوا أنفسهم بالدنيا ولهوها وأفراحها.. وكان همهم أن يحصلوا على أكبر قدر من هذه الحياة المرحة وجولة سريعة بين فضائيات التليفزيون فى ليلة الألفية كشفت لنا هذا الكم الهائل من التفاريح والاحتفاليات فى كل بيت وكل شارع وكل بار وكل مطعم وكل متجر وكل مشرب الى درجة السكر والرقص والتهريج وفرقعة الصواريخ والبمب والرقص الى درجة الإغماء لذة وجنونا.. هذا هو حال الغرب الذى اكتسح وسيطر وحكم وفرض ذوقه ونمط حياته وتهريجه, حتى لغته فرضها على الشارع المصرى والعربى وكذلك فرض لبسه وعطوره وذوقه ومسرحه وأفلامه ورواياته وفلسفته وانحلاله الى درجة الإغراق.. وكان طبيعيا الا يذكر هذا الغرب النشوان بنفسه الثمانية آلاف سنة من حضارة الصين ولا الخمسة آلاف سنة من حضارة مصر.. ولم يذكر الا الألفى سنة من حكمه وسيطرته وما سيكون من الألف الثالثة المقبلة وما يخطط لها. وكان طبيعيا أن تكون لنا وقفة.. فالنقل والتقليد عن هؤلاء الناس قد انحدر بنا الى غور سحيق من فقدان الهوية وفقدان الروح وفقدان الشخصية وفقدان المستقبل. لقد أطربنا صوت أم كلثوم ومسلسل أم كلثوم فى رمضان وأسكرنا وأخرجنا من البرامج المستنسخة من الفضائيات الغربية وأعادنا بسرعة خاطفة إلى هويتنا الشرقية والى مزاجنا العربي والى لغتنا الجميلة وانطفأت الى جواره البرامج المقلدة وألوان العرى والإثارة.. وكنما أخرجنا رأسنا بعد غرق عميق وأخذنا شهيقا طويلا ورجعنا الى وعينا.. وإلى نفوسنا وذواتنا. نعم يا سادة.. هناك إغراق متعمد مقصود.. فى هذه الفرنجة السطحية.. وفى ألوان من الفن الحسي الذي يدغدغ الغرائز ويثير الشهوات.. وفي التهريج المتواصل خفيف الدم ومسرح النكتة وكوميديا القفشات.. وهذه الموجة قادمة من أوروبا ومن أمريكا ومن فنون الإنحلال والإثارة التى تبثها فضائيات الغرب وأفلامه وصحفه ومجلاته ورواياته. ولا يحدث هذا مصادفة بل هو ترويج متعمد وإغراق له سماسرته ووكالاته. والحرب معلنة على اللغة العربية.. فى أساليب التدريس.. لإغراقنا فى العامية السوقية بالأغانى والإذاعات ولغة الإعلام واللافتات الأجنبية التى تملأ الشوارع.. والإنجليزية والفرنسية أصبحت لغات بديلة جاهزة على جميع الألسن وهى دائما لغة الذوات والطبقة الراقية ورجال الأعمال وهى الأسماء المفضلة لجميع محلات الملابس والسوبر ماركت والمقاهى والكوافير. وكل شيء فى خدمة التجار ورجال الأعمال والشركات العملاقة نجوم العولمة المقبلة وحكام المستقبل الجدد.. وعالمنا يتطور الى الأسوأ بالنسبة إلى رموزنا القومية ولغتنا العربية وعاداتنا وأخلاقنا. إنهم فى أمريكا وأوروبا يعملون في دأب من سنين ليجعلوا من أنفسهم (قبلة) نتوجه إليها صباح مساء. وقد سبقونا إلى غزو الفضاء ومشوا على القمر وأنزلوا مراكبهم على المريخ واخترعوا الطائرة وصنعوا الدبابة وأطلقوا الصاروخ وحطموا الذرة وفكوا طلاسم الكروموزوم واكتشفوا الجينوم البشرى الوراثى ونحن ننظر الى كل هذا فى أنبهار, ولاشيء يحمينا من هذا الانبهار والذوبان سوى تاريخنا وحضارتنا التى كانت المعلم والملهم للعالم كله فى الزمن القديم. اذا كانوا هم الآباء فنحن الأجداد الذين أخذوا منا وتعلموا منا. نحن كنا أول من قرأ وكتب.. وعلينا نزلت الأديان ومنا جاء الأنبياء والحكماء. ونحن الذين حملنا للعالم أمانة التوحيد وكلمات القرآن والإنجيل والتوراة وراية لا اله الا الله. واليوم يصحو المارد اليابانى النائم فى أقصى الشرق ويفرك أجفانه.. ويفيق التنين الصينى من سباته.. وتدخل كوريا وتايوان وسنغافوره وماليزيا وعفاريت آسيا الصغار فى السباق ويحتدم الصراع وتتزاحم الرؤوس فى سوق التكنولوجيا والانتاج وندخل نحن نحبو ونزحف فى آخر الصف على إستحياء. ويختلط الحابل بالنابل فى هذه المعمعة كل واحد يحمل بضاعته وينادي على تجارته فى سوق العولمة الذى تقوده أمريكا وأوروبا ولا يبدو التنافس شريفا ولا السباق عادلا فالسوق العالمي تحرسه الإحتكارات الضخمة وتحكمه موازين القوى ومعظمها فى الأيدى الأمريكية ومن وراء ذلك.. القوى النووية.. يحتكرونها ويحرسون بها مكتسباتهم. الدولار يحكم.. والقوة الأمريكية تمسك بالزمام.. وصاحب العلم الأكثر عنده الفرص الأكبر.. والباقون يقفون فى مؤخرة الصف.. والجاسوسية والاستخبارات وسرقة الأسرار والعدوان على الضعفاء هو القاعدة.. والعراق فى الأسر.. والقدس تحت الاحتلال.. والعرب فى الشتات.. والسلام معلن فى الظاهر.. ولكن الحرب الخفية مستعرة على جميع الجبهات.. إسرائيل تتربص بنا الدوائر وقد أقامت ترسانات من الأسلحة الميكروبية والقنابل الكيميائية والصواريخ النووية والغواصات والبوارج والأساطيل حاملات الرؤوس الذرية والطائرات المقاتلة والمنقضة من كل الأنواع.. والفائض من الأسلحة الأمريكية مخزون عندها.. وهى تعلن أن العتاد الحربى المخزون عندها أوفر وأقوى من كل الموجود فى الدول العربية مجتمعة.. وهي تفاوضنا من هذه القمة العالية المتعالية.. وكأنما تقول لنا من تحت مائدة المفاوضات.. إن الإستسلام أفضل.. وقبول الأمر الواقع أسلم وأكرم لكم والصورة على إتساع العالم وخارج مائدة المفاوضات أكثر قتامة وسوادا.. فالحرب معلنة على الاسلام والمسلمين فى كل مكان.. من البوسنه إلى كوسوفو.. إلى فلسطين.. إلى جنوب السودان.. إلى الشيشان.. إلى الصومال.. إلى أعالي النيل.. إلى أواسط أفريقيا.. وأمريكا وأوروبا تأخذ جانب الخصوم فى جميع الأحوال وتتهم الإسلام والمسلمين بأنهم حملة لواء الإرهاب وبأنهم رموز الفوضى والبدائية والرجعية والتخلف فى هذا العالم المتمدن.. وبأنهم أعداء السلام وأعداء التقدم.. سامحهم الله. ويعلم الله كم ظلمونا.. فلا توجد فى الأسرة الدولية كلها.. مجموعة سلسة منقادة طيعة مثل الأسرة العربية المسلمة.. أسلمت قيادها وأسلمت نفطها وثرواتها للأيدى الأمريكية وللشراكة الأمريكية وللمستثمر الأمريكى والأوروبى. وقد كفّرت أمريكا عن تورطها فى مؤامرة حرب الخليج وضاعفت العقاب لصدام حسين وللعراق ولشعب العراق.. بدرجة وحشية أثارت التساؤل فى العالم العربي كله.. لماذا ندفع نحن دائما الثمن.. ولماذا تدفع الشعوب العربية جريرة ذنوب لم ترتكبها.. ولماذا تبتز أمريكا هذه الشعوب وهى تعلم أنها برئية وأنها مقهورة.. ولكنه الظلم العجيب الذي يأخذ صورة العدل والتنكيل الذي يأخذ صورة الجزاء.. والعدوان الذى يلبس جلباب الدبلوماسية والسياسة. وفى جبال الشيشان تدور رحى حرب ظالمة مجرمة أخرى.. وقد إختل ميزان العدالة فيها غاية الاختلال أحد الطرفين شرذمة قليلة فقيرة تقاتل بأسلحة بدائية وسط الزمهرير والجليد والثلوج وفى الطرف الآخر روسيا كلها بعتادها وأسلحتها ودباباتها وصواريخها ومن ورائها أمريكا تمدها بأموالها ودولاراتها لتحارب حرب إبادة وإستئصال لشعب فقير يناضل من أجل حريته.. إجتمع العماليق على قهر ضحية تحتضر والصور تأتينا عبر الفضائيات مؤلمة مستفزة فظيعة تنضح بالظلم والجبروت. ولا يملك المسلم المقهور من الغم إلا أن يرفع يديه فى ليلة القدر التى هى أعظم من ألف شهر داعيا الرب العادل الرحيم أن يشل الجبابرة الروس بزلزال يقلب أرضهم خرابا يبابا ويعيد الجبارين الى صوابهم.. ويعيد كفة العدل الى أعتدالها ولا يملك الضعيف إلا الدعاء وليس أضعف من المسلمين اليوم وقد اجتمع عليهم الأحمر والأصفر وتداعى الكل عليهم تداعى الجياع على القصعة. ولكن لا شيء يبقي على حاله.. والأرض التى نسكنها تدور.. والأيام دول وللزمان دورات.. وربنا من أسمائه أنه الخافض الرافع وأنه لا يبقي على علو العالين ولا على جبروت الجبارين. وغدا تنخفض رؤوس وترتفع رؤوس.. ويتغير كل شيء. ماذا يبقى علينا أن نفعل الآن.. وماذا تبقى لنا من دورنا.. ؟!! تبقى لنا الصمود.. وأن نكون فى رباط, وأقوى رباط للأمة العربية.. هو دينها ولغتها وقوميتها. وإسلامنا هو العصبة الجامعة الباقية لنا, ومسلمو ونصارى مصر يقفون فى خندق واحد ورباطهم هو قدرهم المقدور. وإسرائيل تتحدث عن السلام ولكنها تحتل الأرض وتباشر العدوان وتجهز آلة الحرب وتلقى القنابل على مواطنى الجنوب اللبنانى. ولا تطبيع لنا مع هذه اللغة المزدوجة ولا مع هذه السياسة ذات الوجهين.. وأقل ما يوصف به هذا الفعل أنه دجل سياسى. واذا كانت إسرائيل تستعد.. فلا نملك إلا أن نستعد والله معنا ما دمنا معه. والله لن يكون أبدا مع الكذابين شذاذ الآفاق.