في الدستور الدائم والمقدس الذي تحترمه الشخصية الشرقية.. كتاب (الف ليلة وليلة) ان الملك شهريار هام على وجهه في الارض حزينا مكسورا مصدوما بعد ان وجد زوجته في احضان احد عبيده.. وفجأة صادف (جنيا) عملاقا يضع على رأسه صندوقا من الزجاج مغلقا بأربعة (اقفال) وما ان فتحه حتى خرجت منه صبية جسمها كأنه منقوع في حليب القمر.. وجهها يجبر من يقع في هواه على السهر.. يجبره على ان يتبعها مهما طال السفر.. وان يحتمل البرد والمطر. نظر اليها الجني الذي جن بها وقال: (يا اشرف نساء الارض.. يا من لم يمسسها بشر منذ ان اختطفتها.. يا حبيبة قلبي دعيني انام قليلا) . وحط رأسه على حجرها ونام وارتفع شخيره مثل الرعد.. وفي تلك اللحظة لمحت الصبية شهريار.. فانزلت رأس الجني بهدوء.. وطلبت من شهريار ما تطلبه امرأة من رجل.. وهددته ان لم يفعل ان توقظ الجني فيقتله.. واجبر شهريار على ان يفعل ما امرت به.. وما ان انتهى حتى صارحته بأنها اكملت به مئة رجل رغم ان الجني يحبسها في الصندوق المغلق بأربعة اقفال ورغم انه يحبسها في وسط البحر المتلاطم الامواج.. لكن.. هذا (المغفل) لايعرف ان لا احد يمنع امرأة ان تفعل ما تريد.. انه (كيد النساء) العظيم الذي لا تقدر عليه الشياطين. لم يتذكر اعضاء مجلس الشعب هذه الحكاية التي يبدأ بها كتاب (الف ليلة وليلة) وهي في الوقت نفسه سر عقدة شهريار وسر كراهيته للنساء.. رغم ان هذا الكتاب تحت كل جلد وفي كل بيت وفي كل عقل وفي كل محطة راديو او تليفزيون عربية.. لم يتذكروه رغم انه اهم مصدر لثقافتنا وسلوكنا وعقدنا النفسية والعاطفية.. لم يتذكروه وهم يناقشون القانون الجديد للاحوال الشخصية. ان داخل كل رجل شرقي شهريار صغير وديكتاتور كبير لايريد ان يعترف بحقائق الحياة ولا بأحكام القلب.. لايريد ان يقبل ان تتجرأ عليه امرأة مهما كان يمقتها وتقول له انها لاتريده وانها تريد الطلاق.. تريد ان تفتدي نفسها بما اخذت منه وترحل عنه.. لا ضرر ماديا هنا.. ولكنه ضرر عاطفي.. لان الحب من عند الله.. كيمياء التفاعل بين السماء والناس.. لا دخل للبشر فيه.. كيف تتجرأ امرأة وتسقط نفوذ شهريار وتحطم سلطاته وغروره.. فليتركها معذبة.. معلقة كالبيت الوقف عقابا على جرأتها وكأنه ليس عارا على رجولته ان يصر على معاشرة امرأة ترفضه وتكرهه ولا تطيقه.. كانها ليست جريمة في حق مشاعره قبل ان تكون جريمة في حق الضحية.. ان الرجولة ليست تحطيم وتكسير وفرم وسحق وضرب.. الرجولة حنان واحتواء ومسئولية نفسية قبل ان تكون مسئولية مادية. هذا هو في الحقيقة سر غضب نواب مجلس الشعب ـ ومعهم غالبية من الرجال ـ من مبدأ الخلع الذي اقرته الشريعة الاسلامية وجاء به القانون الجديد للاحوال الشخصية.. ان الذين غضبوا تحت قبة البرلمان لم يكونوا اعضاء المجلس التشريعي وانما اعضاء تنظيم شهريار النفسي والاجتماعي الذي يسكن تحت جلودهم منذ مئات السنين.. حزب شهريار السياسي هو الذي قام واعترض وهاج وماج وصرخ.. حتى لو كان قد ارتدى طربوش اليمين او عباءة اليسار او شال الحزب الوطني.. ومن ثم فالحوار في البرلمان هذه المرة لم يكن بين حكومة ومعارضة.. وانما كان بين دستور المساواة ودستور الف ليلة وليلة.. بين الرحمة والغلظة.. بين مشاعر الحرية وضغوط العقد النفسية.. بين الذين ينظرون الى الامام في احترام والذين يصرون على البقاء في الوراء. والمثير للدهشة ان غالبية نواب المجلس ظلوا لسنوات طويلة يطالبون بتطبيق الشريعة والغاء القوانين المخالفة لها ظلوا يلحون ويضغطون ويصرخون حتى كدنا ان نصدق ان حياتنا حرام في حرام.. وان قوانيننا ضلال في ضلال.. وان علاقاتنا ببعضنا البعض او بغيرنا كفر في كفر.. حى بات كل شيء في ايامنا وكأنه خطيئة.. ولكن.. ما ان فاجأتهم الشريعة تحت القبة حتى اسقط في يدهم.. فدخلوا في حالة هستريا.. وكأنهم تصورا ان الشريعة قد سخرت الكون لخدمة الرجل على حساب المرأة.. ثم من المسئول عن تفسير الشريعة.. هل نحن بثقافاتنا الدينية المحدودة.. ام علماء الازهر والمجلس الاعلى للشئون الاسلامية بكل ما يملكون من علم.. وبكل ما يتحملون من مسئولية؟ لقد اقر هؤلاء العلماء ان كل ما جاء في قانون الاحوال الشخصية الجديد لايتنافى مع الشريعة.. الذي يتنافى مع الشريعة هي العقول المريضة التي استمدت خبرتها وثقافتها من كتاب (الف ليلة وليلة) هذا الكتاب هو النص المقدس الذي يحترمونه ولا يقدرون على الخروج عنه. ان مبدأ الخلع هو مبدأ اصيل في الشريعة.. ففي سورة البقرة (الطلاق مرتان فامساك بمعروف او تسريح باحسان ولا يحل لكم ان تأخذوا مما آتيتموهن شيئا الا ان يخافا الا يقيما حدود الله. فان خفتم الا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به, تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون) .. اي لا جناح على الرجل فيما اخذ ولا جناح على المرأة فيما اعطت.. وهناك القصة الشهيرة في السنة النبوية.. قصة جميلة بنت عبدالله بن ابي.. امرأة ثابت بن قيس.. كانت تبغضه وهو يحبها.. وقد اتت الرسول الكريم وقالت له: يا رسول الله ثابت بن قيس.. ما اعتب عليه في خلق ولا دين ولكني اكره الكفر في الاسلام ما اطيقه بغضا اي تخشى ان لا تؤدي حقوق الزوجية لبغضها اياه ونفورها منه.. وكان قد اصدقها حديقة.. فقال لها رسول الله: اتردين عليه حديقته؟ فقالت: نعم وزيادة.. فقال لها: اما الزيادة فلا.. وقال لثابت: اقبل الحديقة وطلقها تطليقة.. فاختلعت منه بمهرها فقط. هذه هي الشريعة واضحة.. صريحة.. فلماذا يرفضها الذين طالبوا بها.. هل كان لهم تصور آخر لها.. هل كانوا يطالبون بما يجهلون.. هل هم هكذا دائما.. ام اننا لا نطالب بالشريعة الا عندما تكون لصالحنا ونرفضها عندما تكون لصالح غيرنا.. أليس هذا هو الكيل بمكيالين الذي نشكو منه في الداخل والخارج؟ ان شريعة الله لايمكن ان تتنافى مع شريعة القلب.. لا يمكن ان تفرض الشريعة معاشرة باكراه والا تحولت المرأة في هذه الحالة الى ذبيحة تطرطش دمائها على من يعاندها.. وقطعا ستنسي المرأة عطرها لاننا لم نعاملها كزهرة.. وانما ككتلة لهب.. وما الذي ننتظره من كتلة لهب سوى الحرق والتشويه؟ لن ننتظر منها سوى الكيد والمناورة والاغتيال المعنوي وحرق ما تبقى من جسور العشرة وحبال المودة.. وربما هو اكثر.. الخيانة.. او القتل.. ولو صبرت على ما تكره فكيف نطالبها ان تعلم اولادها الرحمة والمودة وعدم اغتصاب ما ليس لهم.. ان فاقد الشيء لايعطيه.. والمقهور لاينتج سوى امة من الضعفاء والعبيد.. ان المرأة الحرة تعطي مجتمعا حرا.. ومن ثم فان هذا القانون في الحقيقة ليس قانونا لتحرير المرأة وانما هو قانون لتحرير الرجل. واخشى ان يكون بعض المعارضين لمبدأ الخلع هم من الذين سلكوا طريق الفساد وتهربوا بما كسبوا حراما بان نقلوا ملكيته الى زوجاتهم.. ومن ثم فهم يخشون ان يأخذنه ويخلعن.. وهو مفهوم فاسد للخلع.. كما ان الارقام في طبقات المجتمع الدنيا مذهلة.. فاكثر من ربع النساء في هذه الطبقات هو الذي يعمل بينما الرجل يفضل ان يتلقى ما تجنيه زوجته من اموال لينفقها على اوهام المخدرات.. ولايكتفي بذلك وانما يضربها اذا لم تستجب لثرواته.. وربما يدفعها للسرقة او لغيرها.. ومن ثم فان المشكلة اكبر مما يعتقد نواب مجلس الشعب الذين يتصورون انهامشكلة نصف في المئة من نساء الطبقات المترفة.. وهو خطأ شائع يعني ان نواب الامة غالبا ما لا يعرفون ما يجري في الامة. واكثر ما في القانون الجديد رحمة هو سماحه برفع دعوى الطلاق في الزواج العرفي.. ان فتيات لا حصر لهن وقعن ضحايا لهذا النوع من الزواج الذي انتشر بجنون بسبب المشاكل الاقتصادية وبسبب اليأس من الزواج العلني.. مجرد ورقة وشهود وساعات متفرقة من المتعة.. ثم يهرب الشاب او يهمل الفتاة او يهجرها او يبتز اهلها ليلقي بيمين الطلاق.. انه العدل بعينه ان يتدخل القانون الجديد لتصفية هذه الاوضاع المجحفة ويسمح بأن تتحرر المرأة منها.. فبقاء فتاة في مقتبل العمر على هذا النحو هو اعتراف منا بحقها في الانحراف والضياع واستنزاف كرامتها بالتقسيط أو بالتنقيط.. وهذه هي الخطيئة بعينها.. ليست الخطيئة ان نصحح هذا الوضع المهين الذي فرضته التحولات الاجتماعية والاقتصادية الحادة.. فما الذي يزعجنا من ان يكون الظلام نورا او ان يصبح المستور معلنا.. الا اذا كانت ظاهرة الزواج العرفي والسري هي ظاهرة مناسبة لمعظم من يعارضون القانون الجديد فهم يملكون الثروة والسلطة في العلن.. والشهوة والنزوة في السر الذي لايكشف الا بالموت.. ان التستر على الفساد جريمة لاتقل عن جريمة الفساد نفسها. ويتستر المعارضون للقانون وراء حجة ان الرجال قوامون على النساء.. دون استكمال باقي النص الكريم.. وهو انهم قوامون بما انفقوا.. وبما فضل الله بعضهم على بعض.. ان الاكتفاء بنصف الجملة على طريقة (لاتقربوا الصلاة) هو فهم خاطىء للقوامة.. القوامة تكليف سماوي بالرعاية والحماية.. ليست تفويضا بالقهر والتسلط والعبودية.. ليست اداة للابتزاز والتحكم في منع ومنح حق المرأة في السفر.. ان الاصل في الشريعة والتشريع هو الحرية والاباحة.. وما دون ذلك ينظمه القانون في حدود للمرأة وللرجل.. ودون اساءة استعمال الحق.. وعلى ذلك لايكون قرار منع المرأة من السفر سلطة في يد الرجل وانما هو سلطة في يد المحكمة.. وهذه من طبائع الامور. ويسمح القانون الجديد بوجود مهلة قبل الطلاق.. ابغض الحلال عند الله مهلة لتهدئة النفوس ولتدخل حكم من اهلها وحكم من اهله.. وهو ما تدعو اليه الشريعة ايضا.. لكن الذين فهموا الشريعة على هواهم عارضوا ذلك.. وتصوروا انه يقيد حق الرجل في الطلاق.. وهو خطأ في التفسير.. فالطلاق رخصة لحل مشكلة.. وليس لخلق الف مشكلة.. الطلاق ليس وسيلة لتهديد المرأة وانما هو وسيلة للرحمة والمودة في كثير من الاحيان.. فالزواج امساك بمعروف او تسريح باحسان. ان العقدة النفسية التي تسببت في كل هذا الغضب من القانون الجديد هي عقدة شهريار.. عقدة سي السيد.. وهي عقدة مزمنة.. تراكمت عبر اجيال واجيال.. ورغم ان الرجل قد ارتدى افخر الثياب وركب احدث السيارات ورش احدث العطور فانه بقي معتقلا داخل افكاره ونصوصه وتصوراته العنيفة.. ظل الرجل مباحثيا في علاقته بالمرأة.. يفتش في ثيابها ولون شعرها ورائحة عطرها ونغمة كلماتها لعله يضبطها في حالة تمرد على سلطانه ونفوذه الذي منحته له القبيلة بلا قيد او شرط ودون ان يدرك او يفهم او يستوعب ان المجتمع الجديد الذي يحلم به ويدعو اليه لايمكن ان يقوم او يولد ونصف المجتمع ذبائح معلقة في السلخانة والنصف الآخر يقوم بالذبح والسلخ والفرم. لا مفر من الاعتراف ان المجتمع الذي يذل المرأة ويخيفها ويقهرها وينهب ثرواتها النفسية والعقلية والجسدية هو مجتمع يستحق البكاء عليه.. المجتمع الذي يصادر كرامة المرأة كما يصادر العملة المزيفة والبضائع المهربة هو مجتمع يستحق البكاء عليه.. المجتمع الذي لايثور اغلب نوابه وكتابه في القضايا الحيوية والمصيرية ويمررون الفيل من ثقب الابرة ثم ما ان تأتي سيرة المرأة حتى تتفجر الدماء في عروقهم هو مجتمع يستحق البكاء عليه.. وربما الرثاء له. ان قانون الاحوال الشخصية الجديد هو نوع من التشجير في مجتمع يأكله التصحر.. لكن.. هناك من يصرون على ان نموت عطشا.. هو جهاز لتكييف الهواء في علاقة الرجل بالمرأة التي نشف فيها الماء.. لكن.. هناك من يصر على فرض الجفاف والسراب علينا.. هو واحة انسانية خضراء تتدلى منها عناقيد المودة والرحمة.. لكن هناك من يصر على تدمير الخضرة ـ التي لم تنبت بعد ـ بالبلدوزرات ودفنها في الرمال اعادة السيادة للون الاصفر. (هي فرصة.. آخر فرصة.. ان نتخلص من عقدنا الجاهلية.. فلا تحرمونا من نور المدنية).