بذريعة حماية اقلية مسيحية معرضة لاضطهاد من أغلبية مسلمة تدخل الغرب عسكرياً في اقليم تيمور الشرقية الاندونيسي عن طريق الأمم المتحدة حتى ضمن للشعب التيموري ممارسة تقرير المصير فانفصل ككيان مستقل عن اندونيسيا الأم, لكن بذريعة عدم التدخل في الشئون الداخلية رفض الغرب ـ ولا يزال يرفض ـ التدخل في حرب الشيشان التي تتعرض فيها أقلية مسلمة لهجوم عسكري واسع النطاق ومتصاعد الايقاع من حكومة تمثل أغلبية مسيحية ارثوذكسية في روسيا. هذه المقارنة بين هذين المشهدين المتقابلين تمثل أحدث نموذج للتناقض بين المبدأ والمصلحة في ساحة التعامل الدولي على صعيد الحكومات, والأمثلة في الحاضر والماضي لا تحصى, وبغض النظر عن اختلافات المكان والزمان وأشكال الذريعة والدوافع والأهداف فإن المغزى الجوهري في كل الاحوال هو (تسييس) مبدأ التدخل بحيث لا يتم اللجوء اليه او العزوف عنه الا عندما يقع تناقض بين المبدأ والمصلحة, حينئذ وفي كل الاحوال دون استثناء تكون الغلبة للمصلحة على حساب المبدأ. في الماضي والحاضر تمتنع الولايات المتحدة عن أي نوع من التدخل, حتى على الحد الادنى الدبلوماسي فضلاً عن هجوم عسكري, ضد دكتاتوريات امريكا اللاتينية التي تحمي الشركات الامريكية ذات الاوضاع الاحتكارية هناك لكنها لا تتوانى عن التدخل بأعنف أشكاله اذا دعت الضرورة اذا تعرض اي من هذه الانظمة الاستبدادية الى خطر داخلي. وفي افريقيا تدعم واشنطن بصورة معلنة عسكرياً ودبلوماسياً حركة جون قرنق في الحرب الدائرة في جنوب السودان بحجة ان الأقلية الجنوبية غير المسلمة تتعرض لاضطهاد من جانب الأغلبية الشمالية المسلمة, لكن في الوقت نفسه ظلت تعزف عن تقديم أية مساعدة من اي نوع الى شعب كشمير في نضاله من اجل حقه في تقرير المصير, علماً بأنه سبق أن صدرت عن الامم المتحدة قرارات تقضي باجراء استفتاء لشعب كشمير ليختار بموجبه بين البقاء كجزء من الهند او الانضمام الى باكستان. ورغم الحملة الدبلوماسية والدعائية العالمية التي تتزعمها الولايات المتحدة ترويجا للديمقراطية الليبرالية التعددية وحقوق الانسان فإن الادارات الامريكية المتعاقبة منذ عام 1991 التزمت السكوت تجاه ما جرى في الجزائر عند نهاية ذلك العام عندما استولى الجيش فجأة على السلطة لاجهاض الديمقراطية بعد ان اتضح ان الاسلاميين كانوا على وشك اكتساح الجولة الثانية من الانتخابات النيابية. ومن حين لآخر تنطلق على نحو فجائي ودون مقدمات حملة دبلوماسية امريكية ضد مصر محورها ترويج زائف غير مؤسس لادعاءات بأن الاقلية المسيحية القبطية تتعرض لسياسة تمييزية حكومية ويلاحظ ان هذه الحملة تنطلق عادة كلما بدا ان السياسة المصرية تجاه اسرائيل تتخذ وجهة عدائية. وهذا يعيد الى الذهن الموقف الامريكي الرسمي تجاه جنوب افريقيا الى ان انتهى نظام الفصل العنصري في عام 1994, حتى ذلك العام كانت الولايات المتحدة طرفا خارجيا منحازا علنا الى جانب حكومة الاقلية البيضاء وسياساتها وممارساتها التمييزية ضد الاغلبية السوداء ولقد تمادت الادارات الامريكية المتعاقبة في الوقوف الى جانب حكومة الاقلية البيضاء الى درجة انها عارضت قرارات الجمعية العامة للامم المتحدة الخاصة بمقاطعة جنوب افريقيا العنصرية بل وذهبت ابعد من ذلك في عرقلة تطبيق هذه القرارات على الصعيد العملي. وللانصاف يجب ان نقول ان تغليب المصلحة على المبدأ قاعدة تلتزم بها كل حكومات العالم ماضيا وحاضرا ومستقبلا لكن للانصاف ايضا يجب ان نقول ان دول الغرب عموما والولايات المتحدة خصوصا, هي الاكثر اسرافا في استخدام هذه القاعدة بينما هي الاعلى صوتا في القاء المواعظ على الآخرين.