منذ أن أطلت أشعة الشمس الأولى للعام 2000 على أول جزيرة تقع على خط الشروق الوهمي في أقصى شرق الكرة الأرضية, تابع العالم تقدم تلك الأشعة غربا ويده على قلبه في انتظار انفجار (القنبلة 2000) التي أمطرتنا بها وسائل الإعلام الغربية وتبعتها وسائل الإعلام في بلاد العالم كله , واستعدت لها الحكومات المتقدمة منها والمتخلفة, على اختلاف أسباب متابعة كل منها لتقدم تلك الشمس, وذلك من خلال حكومات (أزمات) مصغرة, وكأنها تواجه انفجار حرب عالمية رهيبة لا تبقي ولا تذر, فالعالم طبقا لكل التوقعات كان مقبلا على أزمة تكنولوجية رهيبة يفوق مداها انفجار أي قنبلة مدمرة انفجرت حتى الآن. بل أن بعض البشر, فرادى وجماعات, استعدوا لتلك اللحظة وكأنهم يستعدون ليوم الآخرة, خاصة بعد أن انتشرت النبوءات عن قرب نهاية العالم والتاريخ والبشرية, وهناك من خطط لوضع هذه النهاية بيده ليكون له شرف عدم مشاهدة اللحظة التاريخية المنتظرة لهذه النهاية المحتومة, عملا بقول (بيدي لا بيد عمر) .ظلت أشعة الشمس الأولى لأول صباح من العام 2000 تتقدم غربا والعالم يتابعها على شاشات التليفزيون بشكل مباشر في أول وأكبر عملية بث مباشر يشاهدها هذا الكم من البشر, والعيون تتنقل ما بين مشاهد تلك الشمس المتنقلة ما بين البحار والمحيطات والجزر, ماسحة في طريقها كل ما خلفه العالم من حضارات قديمة وحديثة, من معابد بوذا في اليابان إلى سور الصين العظيم, إلى الأهرامات الفرعونية وأطلال اليونان,إلى برج (ايفل) وساعة (بيج بن) اللندنية الشهيرة, وحتى ناطحات سحاب نيويورك وأهرامات المكسيك, كل هذا في انتظار احتمال بين ظهور مشهد الانفجار الإلكتروني المنتظر الذي تنبأت به أكثر التوقعات تفاؤلا. مر الوقت إلى أن انتهت أشعة الشمس إلى آخر جزر المحيط الباسيفيكي, لتبدأ دورة جديدة من الشرق معلنة عن اليوم الثاني من العام ,2000 ومع ذلك لم يحدث شئ من تلك الكارثة التي أعد لها العالم ما يخفف من آثارها المحتملة, لكن بشر العالم جميعافي العالم المتقدم والمتخلف اكتشف أنه كان ضحية لأكبر عملية (نصب) في التاريخ,فقد تم إنفاق مبالغ طائلة تقدر بمئات البلايين من الدولارات لمواجهة خطر وهمي.على الرغم من هذا, عندما فتحت البنوك الغربية أبوابها يوم الاثنين الثالث من العام 2000 كانت لا تزال تحوم على رؤوس موظفيها إمكانية (انفجار القنبلة التكنولوجية) متسببة في حدوث فوضى رقمية في حسابات العملاء, لكن ما حدث من نتائج التعامل مع أجهزة الحواسب الآلية من أخطاء هامشية صغيرة خلال هذا اليوم يمكن حسابها في عداد الأحداث الظريفة التي يمكن أن تحدث لموظف جديد يجلس لأول مرة أمام جهاز جديد لم يتعامل معه من قبل على مستوى الاحتراف. لم يكن الفارق بين تلك الحوادث الصغيرة كبيرا بين ما حدث في شركات أنفقت مئات الملايين من الدولارات لاتقاء أخطار العام ,2000 وما بين ما حدث في شركات لم تنفق شيئا لتفادي انفجار القنبلة الألفية في حواسبها. مثلا ما حدث في شركة التليفونات الإيطالية (تيليكوم) , التي لم تنفق بنسا واحدالوقف خطر انفجار القنبلة الألفية المحتمل, لم يكن يزيد على ما حدث في شركةالتليفونات البريطانية (بريتش تيليكوم) التي أنفقت مئات الملايين من الدولارات درءا لما تنبأ به (خبراء) المعلوماتية. وما حدث في مؤسسة صحافية ضخمة مثل مؤسسة سيدني الأسترالية, التي قامت بعمليات تحديث لجميع برامج أعمالها الصحافية المتقدمة مما كلفها عشرات الملايين من الدولارات, لم يكن يفترق في شئ عما حدث في مؤسسة صحافية فقيرة لا تملك رفاهية مواجهة (القنبلة 2000) المحتملة مثل المؤسسة الصحافية الكوبية (الشباب المتمرد) , فقد كان الفارق الوحيد بين صحف المؤسستين في اليوم الأول من العام 2000 هو (المانشيت) الرئيسي على صدر صفحات كل منهما, فقد اعترفت الصحيفة الأسترالية بأنها كانت ضحية لعملية احتيال من خلال عنوانها الرئيسي (أعيدوا لنا أموالنا) , بينماأرادت الصحيفة الكوبية أن تتشفى من الولايات المتحدة بإشارتها إلى أن ما قيل عن (القنبلة 2000) لم يكن سوى (مؤامرة إمبريالية تستفيد منها شركات المعلوماتيةالأمريكية) .أيضا في الولايات المتحدة نفسها التي خرجت منها أول تحذيرات الآثار المدمرة التي من المنتظر حدوثها بسبب تغيير أرقام التاريخ من العام 1999 إلى العام ,2000 تعالت أصوات تطالب بمعاقبة المسئول عن الإنذار من فوضى لم تحدث, وطالبت تلك الأصوات بعقاب من كانوا وراء هذا الرعب الذي عاشه العالم, بل ومطالبة شركات المعلوماتية برد جزء كبير من الأموال الطائلة التي تم إنفاقها على برمجة العام الجديد والأجهزة التي تم إحلالها لمواجهة (خطر وهمي) .بعض الذين أنفقوا جانبا من تلك الأموال وشعروا بالحرج من الاعتراف بأنهم كانواضحية دعاية كاذبة, حاولوا التقليل من أهمية عدم حدوث تلك الكارثة التي كان ينتظرها اكثر خبراء المعلوماتية تفاؤلا ولم تحدث, فقد أكدت صحيفة (نيويورك تايمز) أن عدم حدوث تلك الكارثة لم يكن يعني ترك الأمور بلا ضوابط تقلل من آثار حدوثها مادام هناك من توقع إمكانية حدوثها, لكن الصحيفة اتهمت خبراء المعلوماتية بأنهم أشاعوا مناخا من الرعب لا يساوي ما كان متوقعا حدوثه بالفعل, وفي رأي الصحيفة الأمريكية, أن هذا هو السبب الذي جعل كثيرا من الشركات والمؤسسات والحكومات تشعر بأنها كانت ضحية عملية احتيال عالمية بسبب الأموال الطائلة التي تم إنفاقها. وبما أن معظم تلك الأموال ذهبت إلى خزائن شركات المعلوماتية التي تسيطر الشركات الأمريكية على معظمها, فان البيت الأبيض حاول أن يخفف عدم جدوى الأموال التي تم إنفاقها لمواجهة آثار كارثة لم تحدث, فقد أكد متحدث باسم الحكومة الأمريكية أن التنبيه إلى خطر توجد دلائل على إمكانية حدوثه أجدى من تجاهله إلى أن يقع ويصبح من الصعب مواجهته, ثم ان ما تم إنفاقه من أموال لمواجهة الآثار المحتملة لكارثة لم تقع ساهم بشكل مباشر في التقدم خطوات نحو الأمام في تطوير إمكانيات المعلوماتية التي أصبحت هدفا لكل البشرية.حدث ما حدث, أو لم يحدث ما كان متوقعا طبقا لرؤية كل صاحب رأي, لكن النتيجة النهائية أن البعض انتهز الفرصة ليسخر من عقليات خبراء المعلوماتية المفترض انهم يملكون مفاتيح العلم التي توصلهم إلى نتائج لا يمكن أن تكذب, أو على الأقل لا تبعدهم كثيرا عن الحقيقة كما حدث, والبعض الآخر انتهز الفرصة ليحصل على أموال طائلة بقليل من الجهد, بل ان البعض انتهز الفرصة ليثري على حساب من أصابهم الهلع وهرولوا باحثين عن علاج يقيهم حدوث كارثة كانت كل التوقعات تؤكد أنها واقعة لامحالة وان لا أمل في اتقاء آثارها المدمرة. ما أن مرت الساعات الأولى من عام كارثة (القنبلة 2000) حتى ظهرت الصحف الإلكترونية على صفحات الانترنت تسخر من خبراء المعلوماتية, مستغلة في ذلك أسلحتها الفتاكة الساخرة نفسها, فقد ظهرت صفحة (ويب) تحمل اسم Kriptopolis كريبتوبوليس تقترح إنشاء (متحف الأفكار الغبية) على شبكات الانترنت, ليضم هذاالمتحف كل الأفكار الغبية التي يحاول البعض بثها باعتبارها أفكارا متقدمة في المعلوماتية, وتقترح الصفحة أن تكون نبوءة (القنبلة 2000) أول اثر تاريخي عن الغباء المعلوماتي في هذا المتحف.بما أن صاحب هذه الصفحة (ويب) شخص اسباني الجنسية فقد قال عن حكومة بلاده, التي تشير الإحصائيات إلى أنها كانت اقل الحكومات الأوروبية اهتماما بالكارثة المحتملة, واقل تلك الحكومات انفاقا لتفادي أخطارها, لم تفعل ذلك إهمالا من جانبها, بل ان هذا الإهمال الظاهر يخفي في باطنه دليلا على أن بلدا مثل بلده اسبانيا معروف بعقلية الصعلكة ليس من السهل أن يسقط في حبائل من يحاولون انتهازالفرصة للسطو على أموال الآخرين من خلال عمليات نصب حتى لو كانت عملية النصب تتم في إطار نظرية كنظرية "العولمة" (!).لكن هذه الصحيفة الإلكترونية لم تترك الأمر يمر دون تحليل حقيقي لواقع العالم الآن في ظل النظام الذي يحكم الكرة الأرضية باسم نظرية (العولمة) , لتصل في النهاية إلى نتيجة واحدة, وهي أن ما حدث كان بالفعل عملية نصب لها أهداف أخرى إضافة إلى هدف الاستيلاء على أموال الآخرين, وطالبت بالبحث والتقصي للوصول إلى من كانوا خلف كل هذا الرعب الكوني, الذي أصاب البشر جميعا بالذعر من قدوم العام.2000 إمعانا في السخرية من المعلوماتية بهذه المناسبة هناك من أكد أن الأموال التي تم إنفاقها لم تكن جميعها موجهة لتفادي الأخطار المحتملة عن انفجار (القنبلة 2000) ,التي توقع الخبراء حدوثها, بل ان جزءا كبيرا من تلك الأموال ذهب إلى جيوب أفراد عرفوا كيف يستغلون الرعب ليحصلوا على مكاسب سهلة وفي ظل حماية القانون. فقد قامت مؤسسة مجهولة, ربما تكون حكومة مرتعبة من إمكانية حدوث الكارثة, بدفع عشرة ملايين دولار لشراء صفحة (ويب) تحمل اسم (العام 2000) ( Year 2000. com) وذلك من خلال عملية مزايدة علنية تمت عبر الانترنت, وحصل صاحب الصفحة (بيتر دي جاجر) على هذه الأموال ثمنا للأكذوبة التي أطلقها هو نفسه حول الكارثة, أي أن من أثار رعب العالم حصل على مكافأة عن عمل وهمي, لذلك هناك من يؤكد أن هذا المبلغ كان ثمنا قليلا عن فكرة أثمرت البلايين من الدولارات, وليس كثيرا أن يحصل صاحبها على هذا الرقم المتواضع, وان من دفع تلك الأموال ربما يكون مستفيدا هو أيضا من إثارة هذا الرعب, لذلك يدفع المبلغ راضيا لعل صاحب فكرة الكارثة يخترع في المستقبل فكرة جديدة تدر على شركات المعلوماتية مزيدا من الأموال, خاصة أن العالم اكتشف أيضا أن العام 2000 ليس بداية القرن الواحد والعشرين, بل نهاية القرن العشرين, وهذا يعني أننا لم ندخل الألفية الثالثة بعد, ويمكن أن يظهر في الأفق ما يفتح الطريق أمام التنبؤ بكارثة وهمية جديدة خلال هذا العام تدر على خزائن شركات المعلوماتية مزيدا من الأموال. *كاتب مصر ي مقيم في اسبانيا