ليس صدفة ان امضي الاسبوع الاخير من القرن العشرين في فلسطين, فانني شخصيا اعتبر ان فلسطين هي ابرز محطة في المائة عام المنصرمة, فهي قطعة مقدسة من الارض العربية, على اعتبار ان كل الارض المحيطة بالمسجد الاقصى المبارك ارض مقدسة كما ورد في كتاب الله العظيم , وبالتالي لا يمكن لاحد تجاهل هذه الحقيقة الوضاءة لا خلف الكواليس ولا امام عدسات التلفزة ووسائل الاعلام ولا في المفاوضات السرية أو العلنية. فلسطين التي استشهد من أجلها في المائة عام الماضية ثلاثة اجيال من الرجال الأفذاذ ليست صدفة عابرة في التاريخ ولا هي مجرد نزوة سياسية لدى البعض كي يظل مصيرها معلقا بالأزمة او النزوات, انها الجرح المكابر والوطن السليب الذي مازال يئن تحت وطأة الاحتلال والاغتصاب الصهيوني. ضياع فلسطين في القرن الماضي ضاعت فلسطين التاريخية, ولم يبق منها في ايدي اصحابها الشرعيين سوى 5% فقط تمارس فيها سلطة الحكم الذاتي نفوذا مجزءا على مناطق مشتتة مثل بقع جلد النمر بفعل المستوطنات العسكرية والزراعية والطرق الالتفافية والحواجز العسكرية الاسرائيلية, فاسرائيل التي قامت فوق ارض فلسطين سعت الى تذويب اي سلطة سياسية للفلسطينيين على أرضهم لمنع فرصة قيام دولة فلسطين تنافسها أو تهددها مستقبلا وكل ما تم الاتفاق عليه حتى الآن يمنح السلطة الوطنية الفلسطينية صلاحيات محدودة تتعلق بتسيير الامور الحياتية اليومية للشعب الفلسطيني في مدن وقرى ومخيمات الضفة الغربية وقطاع غزة دون ان يكون لها صلاحيات في الدخول والخروج من والى هذه المناطق, حتى الممر الآمن الذي وافقت عليه حكومة باراك بضغط من واشنطن ليس آمنا على الاطلاق باعتباره مصيدة أمنية للاسرائيليين لاعتقال المطلوبين للأمن الاسرائيلي او لتذويق الناس مرارة وجبروت الاحتلال الذي لم يفارق مدنهم وقراهم بعد. ان السقف الأعلى للمفاوضات النهائية مع اسرائيل هو الانسحاب (اعادة الانتشار حسب المفهوم العسكري الاسرائيلي) من 18% من مساحة الضفة الغربية فقط وتسليمها للسلطة الفلسطينية مع الاحتفاظ بالمستوطنات الاسرائيلية وابقائها خاضعة للسيطرة الاسرائيلية ومن ثم ضمها رسميا لاسرائيل, وهذه المستوطنات تعني ببساطة شديدة تقويض الحلم الوطني الفلسطيني بدولة مستقلة, لانها تهيمن على مساحة شاسعة تقدر بحوالي 60% من اراضي الضفة الغربية وقطاع غزة. المفاوض يتنازل ويبدو ان المفاوض الفلسطيني الذي كان يفاوض الاسرائيليين في اوسلو كان بعيدا عن مناخ الاستيطان ولم يكن مدركا على ما يبدو لمخاطره الجغرافية والاقتصادية والأمنية والاجتماعية والسياسية, لدرجة ان احمد قريع (ابو علاء) رئيس المجلس التشريعي الفلسطيني, حينما كان يفاوض الاسرائيليين في اوسلو لم يكن مدركا بخطورة الاستيطان لانه رفض تفكيك المستوطنات الاسرائيلية في قطاع غزة وطالب, بربط مصيرها مع المستوطنات المزروعة في الضفة الغربية, ويقال ان شيمون بيريز اقترح في اجتماع حضره ابو علاء ونبيل شعث وابو مازن ورابين عام 1993 اخلاء مستوطنات قطاع غزة كجزء من الحل المرحلي فقاطعه ابو علاء, وحاول بيريز التقاط الحديث ليكمل خطته, فنهره رابين (وكان وقتها رئيسا لوزراء اسرائيل).. اصمت دع ابو علاء يكمل كلامه, فكانت النتيجة اقتراح ابو علاء بعدم ترك مستوطنات قطاع غزة قبل التوصل لحل نهائي بشأن المستوطنات وهو الامر الذي قبله رابين واراحه وسهل مهمته مع المستوطنين, فماذا كانت النتيجة؟ النتيجة باختصار هي ان اسرائيل وسعت حدود المستوطنات في السنوات الست الماضية التي اعقبت اوسلو بنسبة تتجاوز الـ 30% من مساحة الضفة وغزة لتكريس واقع جديد على الارض الفلسطينية يصبح من الصعب تغييره في ضوء نجاح اسرائيل في احراز اختراقات جديدة على الصعيدين الاقليمي والعربي. فالآن تقوم اسرائيل بحملة نشطة لتوسيع المستوطنات ومصادرة الاراضي ومع شروق كل شمس تصادر ارضا جديدة في الضفة وغزة لصالح المستوطنات وتبذل الحكومات الاسرائيلية المتعاقبة جهودا مضاعفة للتوسع الاستيطاني على حساب الارض الفلسطينية, ولا نعتقد ان المفاوض الفلسطيني سيكون قادرا على نزع حقوق شعبه من خلال المفاوضات مستقبلا خاصة بعد ان تكون سوريا قد وقعت اتفاق سلام دائم مع اسرائيل وتطبيع العلاقات العربية ـ الاسرائيلية سيعني ايضا ضياع الارض الفلسطينية المزروعة بالمستوطنات الـ 262 حتى الآن, نفس التطبيع واتفاقيات السلام الدائمة فقدان الآخر اوراق الضغط على اسرائيل. واقع المستوطنات يقول المثل العربي (ان من رأى ليس كمن سمع) فالمستوطنات الآن تقسم الارض وتجزئها وتهيمن على الثروات الطبيعية والمصادر المائية وتحد من النمو الطبيعي للمدن والتجمعات السكانية الفلسطينية وقد لاحظنا خلال جولة سريعة في مدن الضفة والقطاع معالم هذا الواقع المخيف وتجد مثلا مستوطنة زراعية اسرائيلية يقطنها عشرون اسرائيليا مقامة على مئات الدونمات ذات الخصوبة الزراعية العالية وتحيط بها الاسلاك الشائكة واللون الاخضر وتحول الانوار الكاشفة ليل الى نهار وبجانبها مباشرة يعيش الاف الفلسطينيين في بيوت غير آدمية تنقصها كل الوسائل الضرورية للحياة, لا كهرباء ولا مياه, وطرقات ودروب وعرة تملؤها مياه المجاري والمستنقعات. الاخطر من هذا كله ان اسرائيل نجحت في سياستها صادرت الارض والماء والهواء حولت المعركة الى الساحة الفلسطينية ـ العربية لدرجة ان الناس في غزة او الضفة يهاجمون السلطة الفلسطينية والسلطة ترد عليهم بعنف كما ان احاديث المجالس تدور حول حكايا الفساد والاختلاس ومراكز القوى والنفوذ والولاءات الحزبية والعشائرية والمصالح الفردية والمعارك الجانبية الفصائلية وحروب البيانات العشوائية وتصفية الحسابات والثارات القديمة. وتدور كذلك حول الخلافات مع سوريا او مع ليبيا والعراق والكويت, وحول انقسام الولاءات ما بين مصر والاردن من مع من؟ ومن ضد من؟ وهكذا دواليك!! تراجع الولاء لقد انصرفت اهتمامات الناس عن القضية المركزية وراحت تدور حول ما تفكر فيه مصر او سوريا بشأن قضية فلسطين ونسوا ما يفكر فيه ايهود باراك وما ينوي القيام به في بدايات هذا القرن الجديد, اهل الضفة ينتقدون السلطة واهل غزة تتنافرهم روح العشيرة وتصفية الحسابات مع الاثرياء الجدد دون الالتفاف للمستقبل المحدق بهم جميعا, جرافات الجيش الاسرائيلي تقتلع اشجار الزيتون والجوافة يوميا والناس منشغلون بأسعار الديزل ورغيف الخبز والبحث عن واسطات لتعيين انجالهم في السلطة, الكل يركض باتجاه المصلحة الذاتية دونما وقفة تأمل في المصلحة الوطنية, مع غياب اية مبادرات للمصالحة مع الذات الممزقة وطالما ان الارض مقسمة الى معارك وكانتونات سيظل الكيان السياسي ممزق ومشتت وكذلك نقول لا تجعلوا من القرن الحادي والعشرين فرصة زمنية اخرى للتنازل عن ما تبقى من فلسطين التاريخية مطلوب وعي اكبر ونضج على مستوى فلسطين وقداستها ومكانتها التاريخية لكي تزاح ظلال الهزيمة والانكسار التي فرضها القرن العشرون على العقول والقلوب والاعين.