كنا أربعة طلاب عربا, لبناني وعراقيين وشخصي السوداني.. في أحد أيام ربيع عام 1968 نتجاذب الحديث الودي ونتضاحك في (كافتيريا) جامعة ويلز في الجنوب الغربي البريطاني حين دخل علينا زميل سوداني آخر, وفاجأنا بمصافحة كل منا وهو يردد: كل عام وأنتم بخير. اليوم عيد الأضحى ! كان خبرا (مانشيت) كما يقول أهل الصحافة. فلم يكن أحد في الجلوس يعلم أن ذلك اليوم كان يصادف العاشر من ذي الحجة بحساب الشهور العربية. ربما علمنا لو كنا في لندن وليس في تلك المدينة الصغيرة , (سوانزي) . ورغم ان الزميل السوداني فجر مفاجأة أخرى بأن اخذنا الى وليمة في منزله إذ كان قد أعد ذبيحة الأضحية فإن احساسنا بحلول العيد كان ناقصا. وهكذا حال المسلم المغترب عندما يمر عليه العيد وهو بعيد عن بيئة الأهل والاقارب والوطن. بعد هذا المشهد بخمس سنوات ألقت بي الأقدار في الصين كدبلوماسي صغير في السفارة السودانية. في ذلك الوقت في اوائل سبعينيات القرن المنصرم عشت أول تجربة رمضانية في الشرق الأقصى. وذات نهار, إذ كنت أكابد الصوم أثناء ساعات الدوام الرسمي في المكتب جاءني على غير موعد (وهذا ليس مألوفا في الحياة الدبلوماسية المصطنعة) زميلي مصطفى فهمي الدبلوماسي بالسفارة المصرية. بابتسامة عريضة حلوة مد مصطفى يده إلى بالمصافحة قائلا: كل سنة وأنت طيب. كانت السفارة المصرية هي البعثة الدبلوماسية العربية الوحيدة التي طار اليها في رئاستها خبر ثبوت رؤية هلال شوال. ولم يجدني صديقي الدبلوماسي المصري في بيتي بالطبع. فشخص الى مكتبي, وعلى الفور وكانت الساعة الحادية عشرة قبيل الظهور افطرت. ولما كنت مدخنا شرها فإنني احتفلت بالعيد باشعال سيجارة. هكذا تفعل الغربة بالمسلم المغترب في غير ديار الاسلام. ومن تجربتي في الاغتراب الطويل ازعم بأنني استطيع تصور أدق مشاعر الاسر العربية التي فرضت عليها الظروف الهجرة الى الولايات المتحدة وكندا واستراليا واوروبا وغيرها, عند حلول مواسم عيدية: تحسر وشعور بالوحشة يمتزجان باهتياج الحنين الى الأهل والوطن. وعندما أتفكر في مثل هذا الحال ينبعث من مخزن الذاكرة بيتا ابن الرومي: وحبب أوطان الرجال اليهمو مآرب قضَّاها الشباب هنالكا اذا ذكروا أوطانهم ذكرتهمو عهود الصبا دوما فحنوا لذلكا ولا أدري بأية صيغة تبعث ببطاقة (تهنئة) بحلول العيد الى قريب او صديق مغترب في أوهايو أو فانكوفر أو سيدني. لعل (المواساة) هي أقرب الى مقتضى الحال. وربما يكون المستقبل أدهى وأمر. فإذا كان المغتربون في بلاد الفرنجة من الرجال والنساء المسلمين العرب المتزوجين يكابدون الحنين الى الوطن عند حلول الاعياد الاسلامية فإن اطفالهم الصغار لن يملكوا هذا (الترف) الشعوري في المستقبل, لأنهم لن يذكروا هذه الأعياد مجرد تذكار.. واذا ذكروها فانها قد لاتعني عندهم شيئا. فالطفل الذي ينشأ في بيئة اجتماعية غربية سوف تعني عنده أعياد (الكريسماس) ورأس السنة الميلادية و(عيد الشكر) أكثر مما يعني عيد الفطر أو عيد الأضحى. هذا هو ثمن الغربة الحقيقي.. وهو ثمن قد يكون دفعه مؤجلا ولكن يجب أن يدفع.. وهو ثمن فادح. فالطفل ابن بيئته.. ومهما اجتهد الابوان العربيان المسلمان في تنشئة اطفالهما في بلاد كالولايات المتحدة مثلا على المثاليات السلوكية الاسلامية فان معركتهما محكوم عليها بالفشل ازاء تحدي بيئة المدرسة والجامعة وبيئة الشارع الامريكي.