لولا لطف الله ورحمته, ولولا ان في العمر بقية, لما قدر لتلك الفتاة الحياة, بعد ان استقرت بسيارتها وفي لحظة قيادة متهورة في اعماق خور دبي منذ يومين في حادث مؤسف للغاية, ولولا تقدير الله وحكمته لما ساق لها القدر في اللحظة ذاتها ذلك الشاب المواطن الجسور الذي قذف بنفسه خلفها في لحظة شعور بالواجب تستحق الف تحية وارفع وسام . ودائما في اللحظات التي تغلق فيها كل الأبواب, وتدفعك الظروف او الحياة احيانا لليأس والشعور بأنك وحيد تصارع امواج الدنيا وقسوتها, يبقى هناك باب واحد واسع, لا يغلق في وجه احد, ولا يضيق بمخلوق, ذلك هو باب الله تعالى, الرحمن الذي وسعت رحمته كل شيء, وسبحانه الذي حفظ الحياة للبذرة بين مفاصل الصخور, وفي هجير الصحراء. وتلك الفتاة التي كانت تجاوز ذات اليمين وذات الشمال ربما لسبب قاهر, وربما لأمر لا نعلمه اعتقدت بعلمها البسيط ان سرعتها وتجاوزها لمن امامها ولمن خلفها قد يعجلان في حدوث ما كانت تسعى اليه, فاذا بحكمة الله تحملها الى اعماق الماء الذي تبدأ كل انواع الحياة منه, وتنتهي اليه, وفي لحظة الرعب التي قذفت بسيارتها في لجة الخور متجاوزة الرصيف والحواجز صرخت الفتاة بلا ادنى شك: يارب .. فكان الله اقرب اليها من نفسها. خلفها كانت رحمة الله تسعى, شاب في مقتبل العمر اوسع لها طريق التجاوز برحابة صدر, وعندما رآها تهوي الى مياه الخور قذف بنفسه في اللجة معها في لحظة شهامة كلما تخيلتها وددت لو اعرف هذا الشاب لاشد على يديه, فبمثله يظل ايماننا بجمال الانسان وتفانيه لاجل الآخر ولو على حساب حياته قائما ومتألقا. ولا ادري كيف كانت الجموع الاخرى تتفرج على مشهد بهذا الرعب دون محاولة الدخول في قلب المشهد؟ هل كان المتفرجون يعتقدون انفسهم في صالة عرض سينمائى؟ يبدو ان الناس عندنا اصابهم ما اصاب اقواما آخرين في مدن اليباب والقحط وانعدام الانسانية, حيث يموت الانسان امام انظارهم فلا يكلفون انفسهم حتى عبء القاء نظرة فاحصة خوفا من التورط في متاهات التحقيق واسئلة رجال الشرطة, فهذا الذي مات لا يعني احدا سوى نفسه, حيث هناك تنعدم اواصر القربى بين بني البشر, ويتحرك كل انسان وكأنه جزيرة لوحده لا علاقة له بالجزر الاخرى, محاط كل انسان هناك بسياج من فولاذية الاحاسيس والمشاعر لا يمكن اختراقه بمشاهد الدم او هالات الموت ذي الجلال والهيبة. عندنا, اقوام جاءونا من كل عواصم القحط ورصاصية المشاعر تراهم اذا انفجر حادث مأساوي على الطرقات القصيرة والسريعة يبطئون حركة سياراتهم (لينعموا) بنظرة طويلة للمشهد, والمشهد ليس مسليا حتى يطيلوا النظر اليه ويعرقلوا حركة المرور لاجل الفرجة, انه سيارة مهشمة ورجل فارق الحياة ودماء على الاسفلت, ولكن الفرجة, هي الهواية الانسانية الجديدة التي افرزتها افلام الرعب الامريكية التي قتلت احساس الخوف والأسى والألم في نفوس الناس. فلا حول ولاقوة الا بالله. عائشة إبراهيم سلطان