المطلوب أيضا هو إنشاء علاقة جديدة تتمثل في عقد اجتماعي جديد تتألف حباته المنظومة من عناصر أساسية ثلاثة هي: الدولة والسوق والمجتمع المدني، نحسب أن دعوة أو مقولة (الطريق الثالث) التي بدأنا التطرق إليها في حديث سبق, ستظل بحاجة إلى بلورة وإيضاح مستمر وخاصة في هذا العصر الذي يشهد استغلالا لكل شيء .. الأديان والأعراف والأنساق اللغوية والمصطلحات والمفاهيم الفكرية.. وقد سبق إلى التحذير من عواقب هذا الاستغلال المقيت, للغة بالذات, ا لبروفيسور نعوم تشومسكي بوصفه من الأعلام الثقات في مباحث اللغة من حيث علاقتها بقضايا المجتمع والإنسان من جهة, ثم باعتبار الأستاذ تشومسكي اليهودي غير الصهيوني داعية لتكريس الحرية ورفض الزيف والنفاق السياسي من جهة أخرى. وأقرب الأمثلة على استغلال اللغة ومصطلحاتها إلى حد (شرشحة) اللغة ومفاهيمها ما قد تلجأ إليه بعض الحكومات من اللعب على أوتار الكناية السياسية وأيضا على عوامل النسيان أو ضعف الذاكرة أو نقص الوعي أو قصور الإدراك, وأحيانا على قلة الحيلة عند جماهير المحكومين. نفاق تحريك الأسعار أنظر مثلا إلى حكومة هنا أو إدارة هناك ترفع شعارا يقول (تحريك الأسعار) فإذا بالمقصود هو (رفع الأسعار) وكأنما لا يكون التحريك إلا ناحية الرفع والتصعيد والتضييق على الأرزاق والأقوات.. في حين أن التحريك ميكانيكيا وبداهة على الأقل يمكن أن يتجه أيضا إلى أسفل, بمعنى إلى خفض الأسعار والتيسير على جماهير الفقراء والمكدودين والمحرومين. في إطار هذا كله يتعين علينا أن نلتمس تعريفات وتوضيحات لما هو المقصود بحكاية (الطريق الثالث) وقد أصبحت شعارا مطروحا مع نهاية قرن غربت شمسه ومستهل قرن بازغ جديد. ومثل كل المقولات المستجدة على ساحات الفكر والسيا سة والعمل العام, لا سبيل إلى الوقوف عند تفسير متبلور, ولا عند تعريف جامع مانع كما يقول المنطق.. إن هي إلا محاولات تلتمس ضروبا من التعريفات الإجرائية أو تحاول التماس التفسير في عبارة هنا أو جملة هناك. وفي هذا السياق نتصور أن من المهم التماس وطرح الرؤية عند مفكر كبير من طراز العالم البريطاني أنطوني جيدنز الذي يعدونه أكبر شراح أو منظري مقولة (الطريق الثالث) (أنظر فصلية فورين أفيرز عدد سبتمبر/ أكتوبر1999). نماء المال وتجانس المجتمع إن جيدنز يقترب من الموضوع بحذر نظري حصين حين يقول: إنني أرى الطريق الثالث متمثلا في مهمة الجمع بين جانب خلق الثروة وبين جانب التجانس أو التواؤم والاتساق الاجتماعي. والرجل يعني في تصورنا الجمع بين النشاط الرأسمالي في مطلق حركته وهي تنمية الثروة بتوظيف عوامل الاستثمار وعناصر الإنتاج المختلفة من أرض ورؤوس أموال وخامات وعمل وإبداع بشري وتقني بشرط الحفاظ على بنية المجتمع حتى لا تهتدم أو تتصدع أو على لحمة المجتمع وسداه كي لا تعتريها عوامل التفسخ أو التفكك بفعل صراع الطبقات أو العنف السلوكي الناجمين بداهة عن الشعور بالحرمان أو الظلم وخاصة بين صفوف الفئات القاعد ية في المجتمع البشري ( جراس روتس كما يقول الإنجليز) , ناهيك عن أن هذه المشاعر السلبية بالظلم أو الحيف أو غبن النصيب الاجتماعي يمكن أن تكون أكثر حدة وأفدح استشراء في عصرنا حيث الميديا تبرز جانبي المعادلة شديدة التناقض. جانب الثراء الميسور وأحيانا المسرف أو المغرور وجانب الكدح وا لفقر المدقع وحياة العشوائيات ومعيشة التهميش. إلى الحوار الجديد من جديد يعاود أصحاب نظرية (الطريق الثالث) ومعهم كبيرهم الذي ألمحنا إليه أنطوني جيدنز دعوتهم إلى الأخذ بنهج مستحدث يحمل عنوانا يقول: .. الحوار الجديد وهو ليس حوارا بالكلام بين سائر الفرقا ء في المجتمع بقدر ما أنه حوار بالتفاعل والتآثر والتأثير المتبادل.. نوع من الديالكتيك الجدل الهيجلي كما أشرنا في حديث سبق بين جوانب شتى تتمثل في ظاهرة أو نزعة العولمة, بمعنى التحام شراكة والمصالح عبر الوطنية وقيام نظام اتصالي حتى لا نقول إعلامي كوكبي لم يخضع تأثيراته بعد لدراسة جادة أو نزيهة أو شاملة, ظاهرة العولمة هذه تتفاعل في رأي منظري (الطريق الثالث) مع اجتهادات العلم ومنجزات التكنولوجيا في سياق يحدث في إطاره ما نشهده حاليا من تغيرات تطرأ على منظومات القيم وأنماط السلوك وأساليب الحياة على مستوى العالم المعاصر. وكي لا نتوه وسط هذه الدوامات من الطروحات والمقولات.. نقف تحديدا عند ستة مجالات رئيسية يتجلى فيها أو تشكل في مجموعها عوامل بلورة الطريق الثالث في السياسة والسلوك والنشاط الاقتصادي الدولي وهذه المجالات هي: * موجة جديدة من التحول إلى الديمقراطية تتجاوز ا لمفهوم التقليدي الهيليني الموروث بأن الديمقراطية هي حكم الشعب في المطلق ومن ثم فالموجة الجديدة تعي طبيعة التعقيدات التي باتت تكتنف التنظيم السياسي في مجتمع القرن الحادي والعشرين.. وبمعنى أن الديمقراطية لا تحقق فقط بمجرد تأمين بطاقة الانتخاب وبعدها ننام قريري العين ونهنىء أنفسنا على تأمين حرية رأي المواطن, إذ لا رأي نزيه ولا حرية أصلية لمواطن لا يأمن على قوت غده ولا يضمن رزق عياله ولا يشعر أن له نصيبا مقررا بحكم كونه مواطنا يشارك في مقدرات المجتمع الذي يعيش فيه. * إنشاء او اصطناع علاقة جديدة وتتمثل في عقد اجتماعي جديد تتألف حباته المنظومة من عناصر أساسية ثلاثة: (أ) الدولة (ب) السوق (ج) المجتمع المدني. بين الرأسمالية والشيوعية وبديهي أن الطريق الأول (الرأسمالية التقليدية أو العتيقة) كما نادى بها مفكرها الأول آدم سميث (1723 ـ1790) تبدأ باستبعاد دور الدولة أو على الأقل بتهميش هذا الدور والحاصل حاليا أن أقطارا شتى في عالم اليوم تشهد دعوات نراها متسرعة إن لم تكن رعناء أو حتى حمقاء وهي تطالب بنوع من (استقالة الدولة) على حد ما يذهب إليه تعبير بليغ وفد على الأدبيات السياسية في مصر العربية في الآونة الأخيرة والمعنى أن تكتفي الدولة بدور الحارس الذي يرقب الأمور من بعيد لبعيد, أو دور حكم المباراة الذي يركض طول الشوطين هنا وهناك دون أن يشارك في اللعب. وبديهي من الناحية الأخرى أن الطريق الثاني (الدوغما الشيوعية المذهبية الجامدة) كما طبقها ستالين بالذات (1879 1953) في الدولة الماركسية السوفييتية جعلت الدولة هي المحتكر الوحيد للنشاط الاقتصادي وبالتالي للفعل السياسي ومن ثم استشرت عوامل نفوذها حتى أضحت مقاليد المجتمع السياسية والاقتصادية والتنافسية بل والإبداعية في يد نخبة بيروقراطية تمسك كل الخيوط في دولاب الحكومة ومؤسسة الحزب الحاكم مما أدى إلى وأد النبوغ والمواهب والمبادرات الفردية وحرم المجتمع بأسره من دفق الإبداع وحمية الابتكار مما أدى بدوره إلى تكريس روح الانصياع والمشي جنب الحائط وجمود الأوضاع وتصنيم الجوانب المذهبية ومن ثم أصيب النموذج السوفيتي بنوع من تصلب الشرايين مما أدى إلى شلله وزواله من الوجود. إن الطريق الثالث يرى في الدولة محورا أساسيا وعنصرا جوهريا ضمن التحالف الثلاثي الذي ذكرناه, وهو يجمعنا في إطاره مع السوق ومع المجتمع المدني, حيث الدولة يمكن أن تكون حاميا للفئات المستضعفة تذود عنها غوائل استغلال الفئات الأيسر والأقدر وحيث الدولة تشارك في السوق بوصفها مستثمرا لصالح تلك الفئات المستضعفة وحيث الدولة مفتوحة العين يقظة الوجدان في يدها ميزان العدل لصالح المستضعفين وسيف القانون لردع الاحتكار والاستغلال دون افتئات على حق هذا أو ذاك (تأمل مثلا تدخل الدولة الأمر يكية وأجهزتها العدلية حين شعرت علميا وإحصائيا ومستنديا وموضوعيا أن منظومة حواسيب العبقري (بيل جيتس) قد تعدت حدود النشاط الاقتصادي المشروع وشارفت مهاوي الاحتكار وهنا أعملت الدولة بقوانين مكافحة الاحتكار (انتى ترست) في رسالة بليغة تقول بإيجاز (بيل جيتس) ساحر الكومبيوتر نرفع قبعاتنا تحية لعطائه ولكن بيل جيتس المحتكر في السوق لابد أن يساق إلى ساحة القضاء حيث لا ضرر ولا ضرار). وغني عن البيان أهمية أن يضم تحالف الدولة مع سوق النشاط الاقتصادي, مؤسسات المجتمع المدني وهي الكفيلة بضبط قطب التوازن في معادلة الدولة + ا لسوق + المجتمع المدني أو الأهلي أو ما أصبح يعرف في أدبيات الأمم المتحدة باسم (المنظمات غير الحكومية) ووجودها عنصرا في العقد الاجتماعي الجديد يكفل موازنة بيروقراطة الدولة وذراعها الطويل الذي تسميه الحكومة كما يفتح مجالا لمبادرات الأفراد والفئات والنخب الاجتماعية كي تشارك بحرية في الشأن العام دون أن تفيدها بيروقراطية إلا النظم واللوائح الحكومية. * سياسات جديدة للعرض (مقابل سياسات الطلب وهما قانونا السوق المعروفان) تستمد جدتها من حقيقة أنها تشمل استثمارات اجتماعية (لصالح الناس بعامة) وخاصة في مجالات التربية والتعليم والتدريب وفي مشاريع البنى والهياكل الأساسية ولأنها استثمارات فهي تخضع بحكم التعريف لقوانين الاقتصاد التي توظف رأس المال كي تحقق من ورائه عائدا وإلا كانت استثمارا خائبا أو كانت إهدارا مضيعا أو لم تكن استثمارات من الأساس. ولأنها اجتماعية فإن تعريف عائد ها لا ينصرف إلى ما يدخل في جيوب الأفراد أو خزائن حساباتهم المصرفية بل ان ربحيتها تقسم بأنها عائدات يفيد منها المجتمع على شكل كوادر من المهارات المدربة والقوى العاملة المنتجة عالية الكفاءة وهي بدورها من (مخرجات) نظام تعليمي كفاء فعال. * مداومة إصلاح نظام الرفاه والضمان الاجتماعي من خلال ما ينادي به أصحاب نظرية (الطريق الثالث) من خلق توازن جديد بين عنصري المخاطرة والضمان وهم يرون في ذلك مزيدا من احتفاء الدينامية على مجمل النشاط الاجتماعي, فعلى قدر المبادرة يكون العائد, وعلى قدر ركوب الخطر تكبر الربحية ومن نوا فل القول إن المبادرة هي غير المقامرة وإن ركوب الخطر بمعنى الإقدام على الجديد والتماس الابتكار والاستحداث والتجديد واقتحام مجالات لم يسبق إليها أحد هو غير الخطل الذي يخاطر بغير حساب.. (زي ما تيجي) كما يقول المصريون. * قيام علاقة جديدة بدورها بين المجتمع وقضاياه وأنشطته وبين البيئة وعناصرها ومقتضياتها والأخطار التي تلحق بها من جراء تلك الأنشطة: هي علاقة اجتماعية أيكولوجية كما قد نسميها تضع البيئة ومشاكلها وأخطارها في بؤرة الوعي الاجتماعي وتخرج بها من أبراج الأكاديميا العاجية من جهة ومن الأنشطة الهامشية أحيانا الكمالية أو المظهرية, أو فلنقل المرحلية التي قد يتفضل بها هذا القطاع أو ذاك من جهة أخرى. * كسر أطواق العزلة وتأسيس التزام (الطريق الثالث) بأنه التزام قوي وطيد إزاء المبادرات عبر الوطنية وسط عالم يصفونه بأنه أصبح يشمل مفاهيم مشوشة أو غائمة للسيادة الوطنية. في هذا السياق بالذات يجدر بنا ـ نحن العرب ـ يجدر بأبناء العالم الثالث أن يأخذوا هذه الدعوة للمبادرات عبر الوطنية أو العلاقات العابرة للحدود والكيانات القومية على محمل الخير وليس بالضرورة على محمل الشر. وفرق كما تكرر دائما بين رصد الظواهر وبين الترصد بمعنى التشكك أو التوجس إزاء كل شيء. العرب والطريق الثالث ولدينا مندوحة ـ كما يقول البلاغيون ـ عن أن نعرض سيادتنا للخطر أو التشوش في أسواق الشراكة عبر الوطنية ولاسيما مع الأكبر منا في أوروبا وأمريكا أو مع الأكثر تقدما وإلا كنا في معرفة قواعد اللعبة. هذ ه المندوحة هي ببساطة قدرتنا على تفعيل مؤسسة التعاون القومي في الوطن العربي تعاونا يقوم على تبادل المصالح وليس على تقبيل الخشم.. ويقوم على وعي العائد وحسابه بالورقة والقلم (بالحاسوب في زماننا) وليس على مجرد منطق المجاملة وبدلا من استدعاء شراكة التاريخ وهي ماض راح وانقضى.. نستطيع أن نحافظ على سيادتنا وأن يحترم كل منا الحدود الوطنية للآخر ضمن إطار الوطن وحق الله تعالى من تأسيس ذلك الالتزام الوطيد المكين إزاء المبادرات التي تتم وينبغي أن تتم بالانفتاح المتبادل عبر الحدود أو هكذا قال اخواننا دعاة (الطريق ا لثالث) .