عشرات القتلى من الأقباط في صعيد مصر.. وعشرات مثلهم من المسلمين في الجزائر.. وأعداد مماثلة من القتلى المسيحيين والمسلمين في صفوف الجيش اللبناني. ومع ذلك تستعصي المشاهد على الفهم وكأنها تقع في كوكب اخر حتى لو بدا بعض منها أقل غموضا . الاحداث الدامية في الصعيد المصري اندلعت على نحو فجائي وكأنها بلا مقدمات. فقد انطلقت شرارتها في شجار بسيط محدود في قرية بين تاجرين, قبطى ومسلم. وتطور الشجار ليشمل عائلتي الرجلين اللتين تدخلتا ضد بعضهما البعض بالسلاح الناري. ومن ثم اتسع نطاق الصدام ليتحول الى ما يشبه معركة عسكرية. والمشهد المحاذي للمعركة لم يكن اقل منها من حيث الاثارة المؤسفة.. فقد تعرضت عشرات المتاجر التي يملكها أقباط الى الحريق المتعمد. ومن هنا انبثقت اسئلة عديدة لا يتوافر عنها اجابات كاملة او شافية.. بل ويبقى بعضها مفتوحا دون اجابة. والسؤال الأكبر الذي يحمل في باطنه كل الاسئلة الاخرى هو: لماذا تتصاعد حادثة شجار بسيطة بين مواطنين اثنين في الريف المصري المسالم الى معركة دموية واسعة النطاق في وقت وجيز يكاد يكون فوريا؟ ومغزى السؤال ان الدنيا لا تعرف شعبا يمكن ان يفوق الشعب المصري بمسلميه وأقباطه في التسامح والتعايش السلمي, حتى ان الغريب الزائر لمصر يعجز ان يجد فرقا بين المصري المسلم والمصري المسيحي في تعاملات الحياة اليومية. وليس هذا الحال من التسامح والتعايش السلمي وليد سنوات معدودة او عقود.. فهو ارث وطن يحسب عمره بالقرون المتعددة. ولا احد يستطيع ان يقول ان الأقلية القبطية في مصر تعرضت او تتعرض لأي نوع من الاضطهاد. وبالمقابل لا احد يستطيع ان يتهم الأغلبية المسلمة في مصر بالتعصب القبيح. واذا كان السؤال الكبير المطروح بلا اجابة مقنعة وشافية فانه لا ينبغي ان يبقى كذلك لأن العثور على الاجابة عليه كفيل بأن يكشف حقائق غامضة. وكشف الحقائق الغامضة يفتح الطريق للمعالجة المستقبلية. ما يجري في الجزائر أقل غموضا رغم ان الاعتداءات الدامية المتصلة يرتكبها مسلمون ضد مسلمين آخرين. ثم ان هناك قضية سياسية عامة في الجزائر افرزت صراعا حول السلطة بين الجيش وتنظيم اسلامي. لكن القضية اخذت طابعا معقدا قبل سنين عندما لجأت المؤسسة العسكرية الى خلق اجواء حرب اهلية بتحريضها تنظيما مسلحا يمارس القتل الجماعي العشوائي ضد مواطنين ابرياء من اجل الاساءة الى التنظيم الاسلامي الرئيسي. اما في لبنان فان هناك صورة أخرى من الغموض. على نحو فجائي هاجمت جماعة اسلامية متطرفة وحدات من الجيش اللبناني.. ثم توالت هجمات مماثلة راح ضحيتها اعداد كبيرة من الجنود والضباط بالاضافة الى عدد من كوادر الجماعة الاسلامية المسلحة. وكما ورد في الاخبار فان هذه الجماعة تطلق على نفسها (جماعة التكفير والهجرة) . ما أهداف هذه الجماعة؟ لماذا تلجأ الى العنف المسلح؟ لماذا تستهدف الجيش اللبناني؟ لماذا ظهرت الآن فقط؟ هذه وغيرها من الأسئلة الملحة تبقى بلا اجابة. ان هذه المشاهد الدموية الثلاثة في مصر والجزائر ولبنان مدعاة لقلق كل عربي مسلم ومسيحي. واذا كان هناك من رابط فهو ان قسما من المسلمين اما يجهلون دينهم او يستغلونه لأغراض دنيوية.