اذا نظرنا فيما تحقق من انجازات ضخمة في القرن العشرين المنصرم, على جميع الصعد, ولا سيما العلمية والتكنولوجية والطبية والمعلوماتية, لهالنا الامر ولعقدت الدهشة ألسننا, لان ما حدث كان اعظم بكثير مما كان يتوقعه الناس فالانترنت والحواسيب وانظمة الاتصالات الحديثة, مثلا, استطاعت ان تجعل اعقد المعلومات واندرها , في متناول المختصين في شتى فروع شجرة المعرفة الوارفة, وفي قبضة كل من يطلبها. ومن الامثلة الاخرى, ما تم في مضمار الجراحة حيث بات من الممكن اجراء الكثير من العمليات الجراحية بواسطة المناظير, دون الحاجة الى شق البطن. ولا ننسى, ايضا ان طرائق التطوير بالرنين المغناطيسي وغيره, اصبحت قادرة على كشف النقاب واماطة اللثام عن كثير مما يطرأ من تبدلات غامضة داخل الجسم البشري. وفي المجال الكوني اضحى الانسان اكثر معرفة بما يجري في عوالم الفضاء والمجرات الغامضة والمجهولة, ولا سيما بعد ان وطأت قدماه ارض القمر. وهناك كذلك ثورة الهندسة الوراثية التي حققت انجازات في مجالات غير معهودة, مثل الاستنساخ الذي اذا وصل الى مداه الكامل, لابد ان يتمخض عن تطورات بالغة الخطورة في مستقبل البشرية. وفي المجالين السياسي والديمقراطي, التحقت بلدان كثيرة بموكب الديمقراطية ومنها الاتحاد السوفييتي السابق الذي كان يقبع في سجن العبودية فانعتق نحو آفاق الانتخابات الحرة واقتصاد السوق. وهذا ينطبق على دول المعسكر الشرقي وكثير من الدول الافريقية والآسيوية التي كسرت اطواق الحكم الفردي واتجهت نحو التعددية والجماعية. كان هذا مجرد امثلة عما احرز في العالم من انجازات مادية مدهشة في العقود الاخيرة من القرن العشرين, على نحو خاص. ولكن المفارقة الكبرى ان كل ما حدث, لم يستطع ان يوصل البشرية الى السعادة والطمأنينة وراحة البال. بل ربما ليس من قبيل الغلو والمبالغة, ان نقول ان الكثيرين من الناس اصبحوا الآن اكثر تشاؤما بمستقبل العالم, وباتوا يتساءلون عن جدوى التطور العلمي والمعلوماتي الهائل في ظل ما يشهدونه من مآس وكوارث ومحن. وعندما نتلفت حولنا اليوم, ترانا نسمع عن احداث تقشعر لهولها الابدان وتشمئز القلوب وتحزن الضمائر. فهناك حروب غير مبررة يشتعل اوارها في هذا المكان او ذاك, وهناك نزاعات مسلحة اهلية تذر قرونها في هذه البقعة او تلك. ولا يفوتنا ان نذكر جرائم القتل, والاعتداءات الصارخة على الابرياء, وكذلك اضطهاد بعض الحكام لشعوبهم وحرمانها من ابسط حقوق الانسان وبشروط العيش. اضف الى كل ما سبق اننا اليوم, وفي عصر الديمقراطية والتنوير, نجد اناسا يرفلون بجلابيب النعمة ويعيشون بمستويات خيالية من الرخاء والترف والتنعم بمغريات الحياة, واناسا اخرين ينهشهم الجوع, ويعضهم الفقر, ويعصف بهم المرض. وعلاوة على المحن التي يصنعها الانسان بنفسه, والتي يمثلها ما حدث في بلدان مثل الجزائر وافغانستان والبوسنة والهرسك وكوسوفو وتيمور الشرقية والشيشان وغيرها, هناك الكوارث التي تسببها الطبيعة, مثل الاعاصير والبراكين والزلازل, ونخص بالذكر منها, الزلزال المروع الذي ضرب تركيا في اواخر القرن العشرين, فجلب المآسي والاحزان, واوقع ما لا يمكن تصوره من خسائر بشرية ومادية. فما السبب في عدم قدرة التقدم العلمي على ايصال البشرية الى ما تصبو اليه من آمال وتطلعات؟ اننا نعتقد ان العلة الاساسية تكمن في ان الثورة المادية في العلم والمعلومات والصناعة والاتصالات, لم تواكبها وتصاحبها ثورة مماثلة في الاخلاق والمبادىء السامية والقيم الانسانية. فالانتعاش العلمي والتكنولوجي, على اهميته البالغة, لا يكفي لتأسيس دعائم حضارة بالمعنى الكامل للكلمة... لان هناك جوانب اخلاقية وانسانية تدخل في الحسبان, ولا يمكن لحضارة ان تكتمل وتنضج بدونها. والاساس الذي يجب ان تقوم عليه هذه الثورة هو لجم النزعة الفردية الانانية للانسان وصقلها وتهذيبها باتجاه الاعتراف بحقوق الاخرين ومصالح الغير. لقد بات المجتمع الذي يعيش فيه وبمستقبل الوطن الذي يحيا على ترابه. فاذا تحقق ذلك, ولو جزئيا, فاننا عندئذ فقط, سنشهد تراجعا لحروب وحوادث القتل والتعذيب والعدوان, وانحسار الظلم والتصفية العرقية المقيتة, مما سيقود بدوره الى تكريس كامل جهود البشرية لمكافحة اعدائها الحقيقيين مثل المرض وكوارث البيئة وتناقص الموارد الغذائية والمائية. وبتعبير آخر, فإن الثورة الاخلاقية هي وحدها القادرة على وقف معركة الانسان المفتعلة ضد اخيه الانسان, وتحويلها الى معركة حقيقية يتم فيها حشد جميع الموارد والطاقات والامكانات نحو مواجهة الاخطار الحقيقية التي تهدد مستقبل العالم. * كاتب سوري