وهكذا انتهى القرن العشرين, وبدأ القرن الواحد والعشرين بنصبة هي بالتأكيد نصبة جميع القرون, فلا حدث مثلها من قبل ولن يحدث مثلها من بعد, انها مشكلة الصفرين التي هددونا بسببها بالويل والثبور وعظائم الامور، فالطائرات سوف تتساقط كالذباب, والصواريخ سوف تنطلق وحدها, والارصدة في البنوك سوف تنكمش , والعالم كله مقبل على خراب ولا خراب مالطة, وفتحت الدول الكبرى خزائنها وانفقت المليارات, ليس بالعشرات ولكن بالمئات لمنع الخراب المستعجل الذي سيلحق بالبشرية. الولايات المتحدة انفقت مئة مليار تقريبا, وفعلت اوروبا نفس الشيء, وكذلك فعلت اليابان, ولم يتضح بالضبط الذي فعلته روسيا على وجه التحديد, ولكن كل المؤشرات تؤكد ان كل دول العالم انفقت مبالغ لا بأس بها, وهي مبالغ ذهبت كلها إلى خزائن شركات الكمبيوتر, وهي شركات لا توجد بالطبع في الكونغو أو في موريتانيا, ولكنها موجودة في الدول الكبرى, التي اطلقت اشاعة الصفرين, ونشرت معها وفي اعقابها التهديدات بسقوط الطائرات وانطلاق الصواريخ الحاملة للرؤوس النووية, وصدق العالم اشاعة الصفرين وما سوف يتبعها من حوادث وكوارث, وعندما جاء الوقت الذي حددوه لوقوع الكارثة لم يحدث شيء على الاطلاق, لا الطائرات هوت من السماء, ولا الصواريخ انطلقت على هواها, ولا حسابات البنوك اصابها التلف, مر اليوم الموعود كما مر غيره من الايام, وتبين للناس ان حكاية الصفرين هي مجرد اشاعة, وانها مجرد نصبة ثقيلة, تتضاءل إلى جانبها نصبة شركات توظيف الاموال, ولكن اذا كانت الحكومات قد وقفت بحزم في وجه اصحاب شركات توظيف الاموال, فمن يجرؤ على الوقوف في وجه الذين اطلقوا اشاعة الصفرين؟ ومن يتصدى لمحاسبة الذين اشاعوا الخوف في نفوس البشر؟ واجلسوهم على سطح صفيح ساخن عدة اشهر قبل ان يحل الموعد الذي حددوه, وهو اليوم الذي ثبت للجميع انه يوم مثل كل الايام, وان حكاية الصفرين هي نتيجة لعقدة مزاج استعملوا فيها كميات ضخمة من مسحوق وارد دولة كولومبيا, وان العملية كلها لا تخرج عن نطاق المثل الشعبي, رزق الهبل على المجانين, اما الهبل فهم شركات الكمبيوتر, اما المجانين فهم حكومات الدول القوية الغنية المفترية, التي منحتها الاقدار كل شيء, الثروة والقوة ولكنها في الوقت نفسه سلبتها راحة البال ونعمة الاطمئنان والشعور بالامن والامان. مساكن شلبية لأول مرة شاهدت بيوتا شعبية تحيط بها حدائق غناء, وتتناثر في حدائقها مقاعد ليجلس عليها المتنزهون, والمساكن الشعبية نفسها حماماتها مبطنة بالرخام, وارضياتها مكسوة بقيشاني فاخر, ونوافذ الشقق تطل كلها على الحديقة, والتكلفة بالنسبة للشقة 28 الف جنيه لا غير, بعد جولة في المساكن الشعبية اياها قلت لرجل الاعمال ابراهيم كامل, هذا المشروع هو فتح جديد في مجال المساكن الشعبية, لان المساكن الشعبية كانت حتى قيام هذه المساكن التي نتجول فيها اليوم, كانت حوائط اسمنتية تحيط بها مستنقعات وكهوف وحفر تسكنها زواحف, ولكن هذه اول مرة يعامل فيها سكان هذه المساكن معاملة آدمية, اجاب ابراهيم كامل, هذا هو هدف الذين شاركوا في اقامة هذا المشروع. قلت .. يبقى هناك خطوة لتحديد الوصف الذي يمكن ان نطلقه على هذا المشروع, هذه الخطوة هي لمن سيجري تأجير هذه الوحدات السكنية؟ واجابني ابراهيم كامل, من رأي الذين ساهموا في اقامة المشروع ان تكون الافضلية للناس الذين كانوا يقيمون في اكواخ على ارض المشروع نفسه, لو سلمنا الشقق لهم فسيكون المشروع خطوة مهمة جدا لرفع مستوى هذه الطبقة التي تحالفت ضدها كل الظروف, وكم من مساكن اقيمت باسمها, ولكن بعد انتهائها تم تسليمها إلى فئات اخرى لا علاقة لها بالناس الذين اقيمت المساكن باسمهم. سألته, ولماذا لا تقومون بتسليم الشقق للناس الذين كانوا يقيمون على ارض المشروع قبل بنائه؟ اجاب بان الرأي استقر على تسليم المشروع للمحافظة, وهي التي تتولى توزيع المساكن على المستحقين, قلت: لا بأس من الانتظار حتى يتم التوزيع على المستحقين, ثم نطلق الوصف المناسب على هذه المساكن, وهل هي مساكن شعبية بالفعل؟ ام هي مساكن شلبية؟ سألني, ومن هي شلبية؟ قلت: امرأة من بلدنا كانت تبيع الفول والطعمية عند الجسر الذي يؤدي إلى قريتنا, ولما كانت خالة شلبية ست طيبة ومؤمنة بالله, فكانت تخصص من الطعام الذي تبيعه كمية للفقراء وابناء السبيل, ولكن هذه الكمية من الطعام التي كانت خالة شلبية تخصصها كل يوم للفقراء وابناء السبيل, لم يذهب منها شيء في اي وقت لهؤلاء الذين كان من المفروض ان تذهب اليهم, فقد كان الخفير النظامي عبدالصبور يحضر كل صباح لتناول فطوره, وكانت خالة شلبية تضطر لاخراج افطاره من نصيب الفقراء وكان الولد البلطجي ابوليلة الاقرع يطلب افطاره من خالة شلبية, وكانت تعطيه ما يطلبه من نصيب الفقراء والمحتاجين, وبالرغم من عدم وصول شيء من طعام خالة شلبية إلى الفقراء والمحتاجين فقد ظلت النية متوفرة لديها, وهي مأجورة على ذلك باعتبار ان الاعمال بالنيات!.