يعتبر عمي وديع, وهو الاخ الاصغر لأبي, الاخير المتبقي من ابناء جيله, وهو اليوم رأس عائلتي الكبيرة, التي كانت في آخر لقاء جمعنا معاً تضم المئات من عائلة زغبي قدموا من مختلف ارجاء الولايات المتحدة الامريكية.ووديع زغبي في الحادية والتسعين من عمره, وقد قرأ صحيفة(نيويورك تايمز)منذ وقت يعود الى ابعد ما تمتد اليه ذاكرتي . كما انه يقرأ الصحف العربية التي يحصل عليها الآن من شبكة الانترنت. وهو لايزال على اتصال وثيق بلبنان وقضايا العالم العربي. يسافر الى لبنان كل صيف, حيث يعتني ببيت العائلة وقبر جدّي. وفي هذا الصيف, اخذ وديع احفاده معه. وكان متحمساً لان يمتد التزامه بالحفاظ على الروابط مع لبنان الى الجيل القادم. وفي هذا الخصوص, يعتبر عمي وديع زغبي نموذجاً لجيله. لقد امتدت حياته خلال القرن كله. ولقد قدم من قرية جبلية صغيرة كمهاجر الى امريكا. وعاش هنا مروراً بفترة الكساد الاقتصادي والحرب العالمية. انشأ اسرة وضع لنفسه اسماً في مجال الاعمال واصبح مواطناً امريكياً صالحاً, بينما ظل مرتبطاً بموطنه الاصلي. وعلى اكتاف اجداد كهؤلاء, نهض جيلي من العرب الامريكيين فسجلهم خلال القرن المنصرم هو سجل يمكننا ان نفخر به. لقد كانوا السبب في وجودنا في العالم الجديد. انه وجود امريكي مقيد بالتراث والروابط العاطفية مع العالم العربي. وكعرب امريكيين, قد تكون حكاياتنا الفردية مختلفة في التفاصيل, ولكن في حدودها الرئيسية, فانها تشكل قصة مشتركة: قصة تقدم وانتصار شخصي وقصة جالية بأكملها. قبل مئة عام, كان هناك جالية من العرب الامريكيين فعلى سبيل المثال, عندما قدم جدي وجدتي لأمي الى امريكا في عام 1899, كان هناك اقل من 25000 مهاجر يتكلمون العربية في الولايات المتحدة. لقد واجهوا صعوبات ومشاق الطريق للقدوم الى هنا, وعندما وصلوا الى هنا, واجهوا الصعوبات الناجمة, التمييز العنصري. تم تغيير اسماء بعض العائلات وضاعت للابد بسبب تصرفات مسئولي الهجرة الامريكيين. عائلات اخرى تم فصلها قسرياً لدى دخول البلاد حيث كان البعض يرسلون بعيداً. وكان هناك ايضاً مشكلات تتعلق باللغة والثقافة. لكن هؤلاء العرب الامريكيين الاوائل كانوا مغامرين وكادحين, وكانوا مصممين على النجاح. الكثيرون منم استقروا في مدينة نيويورك التي اصبحت مركزهم الفكري والاقتصادي لكن معظمهم انتقلوا خارج المدينة الكبيرة الى المجتمعات الصناعية الصغيرة الناشئة في منطقتي الشمال الشرقي والغرب الاوسط. وهناك, وجدوا العمل او عملوا كباعة متجولين للسلع حتى اصبحوا في وضع يسمح لهم بان يبدأوا اعمالهم الخاصة. استقرت عائلة امي في بلدة صغيرة في منطقة مناجم الفحم في شمال شرق بنسلفانيا. وولدت امي في عام 1906, وكانت جزءاً من ذلك الجيل الاول من العرب الامريكيين الذين ولدوا هنا, وتعلموا هنا واصبحوا مستوعبين تماماً في الحياة الامريكية. وفي الوقت نفسه, ظلوا فخورين بتراثهم ومخلصين لتقاليدهم. عمي الاكبر, حبيب, كان اول من وصل من العائلة الى امريكا. كان عمره 14 عاماً عندما قدم في عام 1910. مازلت اتعجب من شجاعة هذا الصبي الذي سافر لوحده الى الولايات المتحدة يحمل على عاتقه مسئولية تهيئة مكان هنا لكي يستطيع ان يلحق به باقي افراد اسرته, في غضون العقد التالي, لحقوا به. وبحلول بداية العشرينيات, كانت جدتي وابناؤها الخمسة وابنتاها قد اصبحوا جميعهم في امريكا. والدي قدم الى الولايات المتحدة في عام 1921, وكان عمره في ذلك الحين 23 عاماً. وبسبب ظروف خارجة عن ارادته وصل الى هنا كمهاجر غير شرعي. ولم يكن هذا بالامر الغريب بالنسبة للمهاجرين العرب في تلك الفترة. فعدد العرب الذين يسمح لهم بالدخول كان محدوداً والرحلة كانت مكلفة. وعلى الرغم من ذلك, تحمل المئات وربما الالوف, مدفوعين بعزمهم على التوحد مع عائلاتهم وتصميمهم على بدء حياة جديدة في امريكا, مخاطر كبيرة في القدوم الى هنا. لقد عاش والدي يعتريه الخوف لمدة عقد تقريباً حتى اصبح قادراً على الاستفادة من برنامج عفو وملف للمواطنة. وفي الثلاثينيات اصبح مواطناً امريكياً فخوراً ولكنه لم ينس ابداً الخوف. بحلول عام 1925, اصبح تعداد المهاجرين الناطقين بالعربية ونسلهم يزيد عن 200000 شخص. وكانوا يعتبرون جالية ناشئة. قاموا ببناء الكنائس والمساجد. وشكلوا النوادي الاجتماعية والمؤسسات الثقافية. ودعموا بعضهم البعض, واوجدوا فرص عمل للقادمين الجدد ودافعوا عن حقوقهم لدى تعرضهم للهجوم. في هذه المرحلة, كانت الجالية تتألف بشكل اساسي من المهاجرين من سوريا ولبنان ـ مع ان عدداً من فلسطين ايضاً كانوا جزءاً من افراد الجالية الاوائل. ومع ذلك واجهوا صعوبات كذلك على غرار المهاجرين الجدد الآخرين من منطقة البحر المتوسط. كان هناك ردة فعل مناهضة للمهاجرين في حقبة ما بعد الحرب العالمية الاولى استهدفت استبعاد (اجانب غير مرغوب فيهم) من الدخول الى الولايات المتحدة. ومن بين اولئك المستهدفين كان المهاجرون من منطقة البحر المتوسط واوروبا الشرقية وآسيا. لكن جالية المهاجرين العرب الاوائل ردت على هذه الحملة, حيث نظم العرب الامريكيون مؤسسات محلية لحماية تراثهم والحفاظ عليه. وشكلوا وفوداً وطنية لتقديم عرائض للحكومة الامريكية دفاعاً عن حقوقهم كأمريكيين. وقدموا المساعدة داخل الجالية لاولئك الذين كانوا بحاجة لها. والاهم من كل ذلك هو انهم اصبحوا مواطنين نموذجيين ومن خلال دمج انفسهم في حياة بلادهم الجديدة, كانوا قادرين تماماً على تأمين حقوقهم والتعبير عن مخاوفهم والمضي قدماً. حفلت الفترة التي تلت العشرينيات بحدثين حددا تاريخ الولايات المتحدة في القرن العشرين وهما الكساد العظيم والحرب العالمية الثانية. هذان الحدثان كان لهما تأثير كبير على المهاجرين الامريكيين. فمشقة الكساد لم ينجم عنها صعوبات اقتصادية فحسب وانما نجم عنها ايضا اغلاق باب الهجرة لمدة 20 عاماً تقريباً. ان تأثير هذه الازمة والاستجابة الجماعية للامة لها وكذلك الوطنية التي غذتها جهود الحرب. اجتمعت معاً لتشكل هوية امريكية جديدة. ان المثال الذي يضربه عمي جوزيف مندور, يمكن تعلم الكثير منه. لقد كان رجل اعمال مغامر عمل على تأسيس سلسلة فنادق وبنك لبنان الوطني في مدينة نيويورك. لقد خسر كل شيء خلال فترة الكساد العظيم. لكنه لم ييأس ابداً وفي النهاية, استعاد معظم ما خسره. وفي عام 1932, ترشح عمي جو لمنصب حاكم بنسلفانيا. وخسر ذلك السباق, ولكن بمفهوم اوسع, فاز فيه, لانه لم يتوقف ابداً عن الكفاح. كان عمي جو عاقد العزم لا لكي ينجح اقتصادياً فحسب وانما لكي يكون مقبولاً اجتماعياً وسياسياً كذلك. ثم جاءت الحرب العالمية الثانية. وحارب عشرات الالوف من العرب الامريكيين الشباب في تلك الحرب كأمريكيين. وشكلوا جمعيات اسناد مثل جمعية الرفاه السورية وبعد الحرب شكل الجنود العرب الامريكيون العائدون جمعيات المحاربين القدامى. قاتل اولاد اخوالي وخالاتي في اوروبا. وكانت امي تتابع تقدم جيوش الحلفاء ضد هتلر مدركة ان حياة ابناء اخوتها واخواتها في خطر. ولا نزال نحتفظ بسجل القصاصات التي احتفظت به وصندوقاً للرسائل التي ارسلها ابن خالي فارس عندما انتقل عبر اوروبا الى المانيا.. وكان, مثل الالوف من رفاقه, بطلاً بالنسبة لجيلي. واثناء الحرب وبعدها, واجهت الجالية العربية الامريكية الصغيرة تحديات جديدة. فثوران الوضع في الشرق الاوسط جعلهم يبادرون الى التحرك, حيث قاموا بتجديد صلاتهم بالعالم العربي. وفي وسائل اعلامهم وعبر منظماتهم الصغيرة, ناقشوا وجادلوا لصالح استقلال لبنان وسوريا وطالبوا بالحقوق العربية في فلسطين. ان الهجرة التي توقفت عملياً خلال سنوات الحرب استؤنفت مجدداً بعد الحرب. في البداية, كان تدفقاً بطيئاً, بضعة آلاف من المهاجرين الناطقين بالعربية يدخلون كل عام في الفترة ما بين 1950 وحتى 1967. ثم زاد هذا العدد بأرقام هائلة, حيث كان المتوسط 15.000 في العام خلال الثماينينيات ووصل الى اكثر من 20.000 في العام في اواخر التسعينيات,. الآن زادت الجالية العربية الامريكية الى ثلاثة ملايين نسمة ولا يزال اقدم المهاجرين وابناؤهم واحفادهم يشكلون ما يزيد على نصف هذا العدد. وقد كانت موجة الهجرة التي اعقبت الحرب العالمية الثانية اكثر تنوعاً من المجموعة السابقة. وهناك الآن اعداد كبيرة من المصريين والفلسطينيين واليمنيين والعراقيين والاردنيين يضافون الى العرب الامريكيين من اللبنانيين والسوريين. وفي السنوات الاخيرة اضيف مهاجرون من المغرب كذلك. هذا التعقد اضاف عمقاً وثراء الى الجالية واضفى ملمحاً يوحي باتساع النطاق وتكاملاً زاد من وعي العربي الامريكيين بالعالم العربي في صورته الاوسع نطاقاً. وكان المهاجرون الجدد مختلفين من جوانب اخرى كذلك. فالعديد منهم جاء حاملاً درجات علمية متقدمة او للدراسة في الجامعات وبقي في الولايات المتحدة بعد انهاء دراسته. وجاء آخرون حاملين معهم تجربة سياسية. وهذا بدوره ترك اثراً فيما يتعلق بتوسيع نطاق الجالية ككل. وتشير الاحصائيات الامريكية الى ان العرب الامريكيين الذين يزيد عددهم عن ثلاثة ملايين نسمة يشكلون مجموعة مؤثرة تماما. فهم يتميزون بأعلى معدل ملكية انشطة اعمال للفرد في اي مجموعة عرقية اخرى في الولايات المتحدة. ولديهم كذلك نسب اكثر ارتفاعاً في الحاصلين على درجات علمية متقدمة وفي عضوية المهن البارزة بالمقارنة بأي مجموعة عرقية اخرى. وبينما يعد تقدمهم تقدماً حقيقياً, فان مشكلاتهم كذلك تعد مشكلات حقيقية. ولكن العرب الامريكيين شأن اسلافهم في الجزء الاول من هذا القرن نظلموا انفسهم للتصدي للتحديات التي تواجههم. فعلى سبيل المثال, فانه بالنسبة لهؤلاء المهاجرين الذين جاءوا باحتياجات اقتصادية واجتماعية, قام العرب الامريكيون بانشاء شبكة خدمات اجتماعية قوية تتألف من العديد من المؤسسات في مناطق كثيرة لتلبية هذه الاحتياجات. وقام العرب الامريكيون كذلك بجهود كبيرة للتصدي للتمييز ضدهم وقطعوا شوطاً كبيراً في الوصول معاً الى القوة السياسية. وفي معظم جوانب الحياة الامريكية, ترك العرب الامريكيون بصمتهم الواضحة. وفي كتيب رائع اصدره المعهد الامريكي العربي, يروي كيسي قاسم, المذيع الشهير. قصة العرب الامريكيين البارزين في مجالات السياسة والفنون والعلوم والاعلام والازياء وفي جميع مجالات الحياة الامريكية. وفي هذا القرن نمت الجالية العربية الامريكية في الولايات المتحدة وحددت نفسها بوضوح وهي في الوقت الراهن تتغلب على الصعوبات والانقسامات التي واجهتها. وقد اصبحت كياناً مستقراً ومعترفاً به ويحظى بالتقدير في الحياة الامريكية. ولكن يتعين علينا ان لا ننسى ابداً ان هذا التقدم قد امكن تحقيقه بسبب بسالة وعزم اولئك الذين قدموا الى الولايات المتحدة كمهاجرين خلال هذا القرن. وقد كانوا هم الذين بنوا الاساس لنا ومنحونا الشخصية التي نحظى بها الآن. رئيس المعهد الامريكي العربي