المشهد السياسي الجزائري المتوتر حاليا قابل للاشتعال الشامل في اي وقت اذا اندلعت انتفاضة شعبية عارمة في الأرض الفلسطينية المحتلة.هناك ثلاثة عناصر رئيسية يتكون منها هذا المشهد المؤسسة العسكرية وعصابة اجرامية دموية متحالفة معها سرا تطلق على نفسها(الجماعة الاسلامية المسلحة)و(جبهة الانقاذ الاسلامي)التي ترغب في التصالح مع الدولة والعودة الى الحياة السياسية الطبيعية. والتوتر السائد حاليا سببه تعرض (الجبهة) وقادتها الى استفزازات مستمرة من جانب جنرالات المؤسسة العسكرية والعصابة المتحالفة معها. وكان من اخطر هذه الاستفزازات مؤخرا اغتيال عبد القادر حشاني احد قادة الجبهة. واذا اندلعت الانتفاضة الفلسطينية بقيادة حماس و (الجهاد الاسلامي) فان ذلك سيكفي كشرارة لاشعال المشهد الجزائري حين يتصاعد التوتر الى مستوى حمام دم. غير ان الانتفاضة الفلسطينية سوف تنتقل (عدواها) اولا الى الجوار الجغرافي بطبيعة الحال. سوف تتجدد المواجهة بين (حماس) والسلطات في الاردن وربما ينتعش مرة اخرى نشاط (الجماعة الاسلامية) في مصر. هذا بدوره سوف يؤدي الى تصعيد التدابير الامنية في تونس والمغرب من قبيل التحوط. وبالنسبة الى المغرب بوجه خاص قد يؤدي التصعيد الامني الى نسف مشروع (الاصلاح الديمقراطي) الجاري حاليا فالمعلوم ان الملك الجديد محمد السادس شرع في اجراء اصلاحات ديمقراطية تضمنت اقصاء وزير الداخلية ادريس البصري الذي اشتهر بالقسوة في قمع منظمات المعارضة واعفاء عدد من ولاة الاقاليم. ولكن ليس معلوما ما اذا كان الهدف الاعظم لهذا الاصلاح هو تحقيق نقلة نوعية يتحول المغرب بمقتضاها الى نظام الملكية الدستورية الذي تتمتع فيه بالسلطة الحقيقية حكومة منتخبة لا رأس الدولة, وفي كل الاحوال فان توترا عاما في انحاء العالم العربي ينشأ من تفاعلات انتفاضة شعبية غالبا مايؤدي الى وأد فكرة الانتقال الى نظام الملكية الدستورية اذا كانت اصلا واردة. ليبيا ليس فيها تنظيم اسلامي راديكالي يمكن ان يشكل هاجسا امنيا للسلطة ولذا فان العقيد القذافي سوف يكون خلال عام 2000 مشغولا بهواجس اخرى في مقدمتها (قضية لوكيربي) وما اذا كانت المحكمة المنعقدة حاليا في هولندا لمحاكمة اثنين من رجال الاستخبارات الليبية متهمين بتدبير عملية تفجير طائرة ركاب امريكية عام 89 قد تنتهي من مهمتها خلال العام, فاذا قضت المحكمة ببراءة المتهمين فإن قرارها سوف يعد انتصارا ليبيا مدويا ضد الولايات المتحدة المتحرشة بليبيا القذافي, اما اذا ادينا فإن واشنطن سوف تتخذ من قرار الادانة قطعا ذريعة لاستعادة عزل ليبيا عالميا عبر اجراءات ادناها اعادة فرض العقوبات واعلاها هجوم عسكري كاسح. في هذه الاثناء سوف يواصل العقيد القذافي تحركه الدبلوماسي داخل القارة الافريقية, وضمن هذا التحرك بالطبع مسعاه المشترك مع القاهرة في تحقيق مصالحة وطنية سودانية بين الحكومة والمعارضة من ناحية وبين السودان ودول الجوار الافريقي من ناحية اخرى. المؤشرات المتوافرة بشأن التصالح السوداني المرتقب طيبة حتى الآن. فالحكومة اعترفت بشرعية الاحزاب المعارضة وبادرت بالاعلان عن نيتها لاجراء انتخابات حرة في اطار تعددي, ومن جانب المعارضة يبدو ان الصادق المهدي زعيم اكبر الاحزاب المعارضة متجاوب مع نداء التصالح اكثر من رفيقه محمد عثمان الميرغني. ولكن حتى لو اكتمل الاتفاق بين الفقراء والوسطاء على عقد مؤتمر للحوار الوطني لتبني الخطوط العامة لنظام ديمقراطي شامل فإن العقبة الكأداء تبقى مشكلة جنوب السودان.