في الوقت الذي يذهب فيه أهل المال صوب مضاعفة ملايينهم بكافة الطرق, كانت الملايين عنده أداة في خدمة الثقافة والعلم والابداع, وبهذه الأداة التي أجزل الله له فيها, أسس الراحل سلطان العويس ـ رحمه الله ـ لبنيان الثقافة في الامارات قواعد راسخة ستظل تذكر برجل رجحت عنده كفة ميزان الثقافة على ميزان المال والثروة , فبذلهما بطيب خاطر وسخاء نفس, فكانت جوائزه وعطاءاته واسهاماته في كل ميدان. قبله رحل عن عالمنا كثيرون من أهل الفضل والعلم والصلاح وتلك سنة الله في خلقه, فإذا رحلوا غيب الرحيل أجسادهم وملامحهم, وبقيت في النفوس حسرات عليهم, ومع الأيام يبتلع النسيان كل شيء, وتبقى أسماء الأعلام شامخة في دنيا الخالدين الذين أضاءوا في ليلنا العربي شموعا لا تنطفئ ذبالتها أبدا. ليلة أمس ودعنا رجل فاضل من أهل العطاء وصاحب الفضل الكبير على دنيا الثقافة والمبدعين فهو صديق المثقفين والشعراء ذلك هو الشاعر سلطان بن علي العويس رحمة الله عليه. ذهب الرجل بعد ان ترك بصماته على دنيا الشعر في الامارات ودنيا الثقافة بجوائزه العديدة التي تحمل اسمه واسهاماته في الكثير من البلاد العربية, وبذلك يكون في قافلة الافذاذ الاوائل الذين اعترفوا بقيمة الثقافة وفضل المبدعين في مسيرة الامم. وعلى هذه الجوائز تجمع نخبة من خيرة مبدعي الامة وحتى الفنانين الكبار شملهم العويس بتقديره يوم كرم مجموعة منهم تحت شعار (هؤلاء اسعدوا الناس) فكانت جوائزه حقا مشروعا لكل ابناء العروبة, دون اعتبار للحواجز المصطنعة والظروف السيئة, ودون اعتراف بمعوقات الجغرافيا وادران السياسة وتخريفات الشعوبيين والمتناحرين من اصحاب العداءات القومية. نال جوائزه العديدون من اعلام العرب في كل ميدان, وبفضل جوائزه ظهر مبدعون ومتميزون من شباب الدولة ومن ابناء العروبة ممن انتشرت ابداعاتهم ونتاجاتهم بعد اعلان فوزهم, فعرف ابناء الامارات مؤلفاتهم وتهافتوا على قراءتها. فشكلت الجائزة الثقافية التي رعاها العويس وحدة عربية فشلت مساعي السياسيين في تحقيقها طيلة الزمان العربي الكئيب الذي مضى. تمنيت على الراحل ان يتبنى مجمعاً ثقافيا رائداً في مدينة دبي يضيف به الى انجازاته, كما يضيف الى دبي اسهاما ثقافيا فذا ورائدا تفتقر اليه وهي الجديرة والمؤهلة له, هذه المدينة الموشحة بالذهب والمضمخة بسيرة العظماء وخيرة رجال المال والأعمال, والمتطهرة أبدا ومنذ زمن بعيد بنبل أهلها وسعيهم الدائم صوب معالي الأمور, خاصة ما كان منها في مجال العلم والثقافة والفضل. نعم أسس سلطان العويس عليه رحمة الله, للثقافة دارا وندوة ومكانة كبيرة تحت شمس الامارات ستذكره الاجيال على مر الزمن, لكن الراية قد أسلمت وتوارى الرجل ولابد ان يتسلم الراية عميد آخر يضيف لما بنى العويس حتى يظل المال في خدمة الثقافة والعلم, كي يبقى للحياة نسغ الاستمرار الندي الخير. ونحن على يقين من أن أيامنا المقبلة لن تخلو من صديق جميل مثل العويس لقافلة المبدعين العرب الذين حينما يطول بهم التشرد وتأكل سنوات اعمارهم المنافي والجحود, يجدون في الامارات فيافي العرفان والاعتراف بالفضل على ما يحملون من معرفة. فبورك في الثقافة ورحم الله العويس رحمة واسعة.