كما كان متوقعاً, فقد لجأت اسرائيل الى تصعيد الضغوط والابتزاز ضد المفاوضين السوريين, ويبدو ان الاجواء الامريكية مواتية لمثل هذا السلوك الاسرائيلي مما يحمل سوريا أعباء اضافية لحماية موقفها التفاوضي, ويستدعي دعماً عربياً عاجلاً للتأثير في (الشريك الامريكي) ودفعه لممارسة دور أكثر فاعلية في الوساطة النزيهة ! فقد بدا واضحاً خلال اليومين الماضيين تراجع اجواء التفاؤل التي كانت قد سبقت المفاوضين السوريين والاسرائيليين الى فرجينيا بالولايات المتحدة, وتحدثت الانباء عن فشل الرئيس الامريكي بيل كلينتون في جمع باراك والشرع بسبب الخلاف على جدول الأعمال, وترافق ذلك كله مع حملة اسرائيلية مكثفة سياسية واعلامية لمحاولة التأثير في الموقف السوري وزعزعة مواقفه التفاوضية المتفقة مع المواثيق الدولية وقضية السلام الشامل والعادل. وفي هذا الاتجاه سعت وسائل الاعلام الاسرائيلية الى تحميل سوريا مسئولية فشل الاجتماع الثلاثي الذي كان متوقعاً بين باراك والشرع برئاسة كلينتون, وادعت ان السبب في ذلك هو اصرار سوريا على البدء بمناقشة الانسحاب الاسرائيلي من الجولان في وقت تدعي اسرائيل بوجود اتفاق مسبق على جدول الأعمال ينسجم مع رؤيتها ومصالحها في البدء بالتطبيع والمياه لكن الواقع يؤكد أن غياب كلينتون هو رغبة اسرائيلية عبر عنها باراك مراراً حين طالب واشنطن بدور محدود. وتستمر اسرائيل بالضغوط من خلال الحديث عن أرقام مبالغ فيها كتكاليف للانسحاب تطلبها من الامريكيين, حيث تسعى الى 25 ـ 30 مليار دولار وهذه المبالغة تهدف اما لتعطيل دور الادارة الامريكية في عملية التسوية بسبب العجز عن الدفع الذي قد يعترض عليه الكونجرس, او لمحاولة دفع واشنطن للضغط على حلفائها للتعهد بتمويل اسرائيل بهذا المبلغ الضخم حتى قبل انتهاء المفاوضات والاتفاق على عملية التسوية مما يعني ان اسرائيل تريد حصد الأرباح الكبرى من الآخرين لمجرد اشتراكها بالمفاوضات ودون ان تصل بها الى غايتها. ويمكن ايضاً تفسير المواقف الرسمية الاسرائيلية المعلنة المصرة على البدء بالتطبيع والمياه كمحاولة لتكرار ما فعلته اسرائيل على الجبهات العربية الاخرى التي ادخلتها في سلسلة من دوامات المساومات والابتزاز لاستنزاف المفاوضين العرب سياسياً دون تقديم أي التزام اسرائيلي محدد بانسحاب سريع وواضح الى حدود الرابع من يونيو 1967. وتحاول حكومة باراك كسابقاتها التذرع بمواقف المعارضة الاسرائيلية الرافضة للسلام والانسحاب لمزيد من الضغط على المفاوضين. لكن المؤكد ان كل هذه الأساليب لن تؤثر في المفاوضين السوريين الذين خبروا العدو الذي يتعاملون معه, الا انه من المفيد ان تعلم واشنطن قبل تل أبيب استحالة قبول أي عربي بأقل مما يطالب به المفاوض السوري, وان الشعب العربي السوري مجمع على ان مجرد الجلوس الى مفاوضات التسوية مع المعتدين هو تنازل كبير لا يقابل بأقل من انسحاب قوات الاحتلال من كل الاراضي العربية المحتلة كما نصت قرارات الامم المتحدة, وهنا تبرز أهمية الدور الامريكي الذي طالبت سوريا بأن يكون نزيهاً ومنصفاً وفاعلاً اذا كان يريد السلام في المنطقة.