منذ اللحظة الاولى التي تم فيها الاعلان عن بدء المفاوضات على المسار السوري ـ الاسرائيلي في واشنطن بدأت الكثير من الاوساط السياسية والحزبية الاسرائيلية, بمطالبة رئيس الوزراء الاسرائيلي ايهود باراك, باخضاع كل ما ينتج من خلال المفاوضات على هذا المسار الى ارادة الشارع الاسرائيلي, من خلال صناديق الاقتراع ظنا من هذه الاوساط انها قد تمنح باراك خطا للرجعة, في حال اراد النكوص في العهود والمواثيق الذي قطعها على نفسه, والتخلي عن الالتزامات الذي اورثه اياها رئيس الوزراء الاسبق اسحاق رابين والتي سميت (بوديعة رابين) الذي اقر اعترافه بها امام الراعي الامريكي النشط بما يخص هذا المسار دون غيره حتى ان اثارة قضية المستوطنات والمستوطنين تأتي في نفس السياق ولنفس الغرض بهدف منح المفاوض الاسرائيلي عناصر قوة اضافية وفسح المجال امامه رحبا لكي يكون قادرا على المناورة الى ابعد الحدود الممكنة فيما يخص قضية الانسحاب الكامل من هضبة الجولان السورية وتطبيق قراري مجلس الامن 242 و338 والمتضمنين العودة الى حدود الرابع من يونيو 1967. وعلى ما يبدو ان الشارع الاسرائيلي استمرأ استجرار العرب الى طاولة المفاوضات كمحاولة لشرعنة وجوده دون ان يقدم لهم الاساس الموضوعي لانجاح العملية برمتها والمتمثلة بالانسحاب من كل الاراضي التي احتلتها في عام 67 وانها بدأت منذ مدريد على تمرير مفهوم نظرية الامن الاسرائيلية كحل بديل للعرب عن كل ما يجب ان تقدمه اسرائيل كاستحقاق للوصول الى نهاية العملية بما يرضي الاطراف ويوفر الامن للمنطقة برمتها وليس للاسرائيليين وحدهم لكن الواضح ان هذه اللعبة قد اصبحت مكشوفة للطرف العربي وحتى الغربي الاوروبي وبعض الاوساط الامريكية غير الرسمية بأن نظرية الامن اولا واخيرا هي رؤية امريكية رسمية تهدف الى حماية امن التجمع الاستيطاني في فلسطين لكنها وفي ظل المتغيرات الكونية باتت تجد مصلحتها راهنا في احلال السلام, ووقف النزاعات في هذه المنطقة الحيوية من العالم, والدخول في الالفية الثالثة وقد فرغت من اكثر النزاعات تعقيدا وان استحضار ظاهرة نتانياهو رئيس الوزراء الاسرائيلي السابق الذي اوقف عملية التسوية السياسية بين العرب والاسرائيليين لاتجد لها مسوغات او مبررات عند الادارة الامريكية هذه الايام, كما كان لها فيه مصلحة حيوية في السابق التي كانت رهن حسابات امريكية محضة خاصة لجهة الرؤية الامريكية للداخل الاسرائيلي نفسه, اثر الانقسام الكبير الذي احدثه اغتيال رابين في الشارع الاسرائيلي, ولحسابات اخرى فيما يخص الترتيبات الامريكية على مستوى المنطقة والعالم, وهذا ما ستكشفه الايام او السنوات القليلة المقبلة, وان ما يجري الحديث عنه هذه الايام لجهة الانتخابات الاسرائيلية العامة على قضية الخروج من الجولان ليس سوى اضغاث احلام عند البعض الاسرائيلي الذين لايزالون يصدقون كذبة او يحلمون باستقلالية اسرائيل عن الارادة الامريكية وانها دولة ذات سيادة لايمكن ان ترضخ للشروط الامريكية, وانها من خلال الصراع الذي دار منذ اكثر من مئة عام, توصلت لبناء صرحها القومي فاسرائيل رغم الاستقلالية الهامشية على المستوى الداخلي والتظاهر بلعبة الديمقراطية والمؤسسات الدستورية ستبقى تدور في الفلك الامريكي ولا يمكنها الخروج من تحت العباءة الامريكية حتى اللعبة الداخلية رهن بموقف الاوساط السياسية الامريكية المتنفذة ولعل القيادات الاسرائيلية تعرف جيدا انها رهن بالرؤية الامريكية لما يخص مستقبل اسرائيل وان هذه القيادات قد وجدت في الموقف الامريكي الجدية المطلقة في احلال السلام في المنطقة على قاعدة الانسحاب من هضبة الجولان وجنوب لبنان وفق جدول زمني وهذا ما اعلنه باراك امام نواب الائتلاف الحكومي الذي يتزعمه (اسرائيل واحدة) انه والشرع يحتاجان لان يعملا في المفاوضات المقبلة على جدول زمني يتضمن (متى ننفذ الاخلاء من اجزاء من الاراضي) ولعل باراك ولاول مرة قد المح بأن اسرائيل تريد اعادة غالبية الجولان ان لم يكن كله الى سوريا, وهي المرة الاولى التي يتحدث فيها عن الانسحاب بشكل علني ويرى ان عملية السلام مع دمشق قد تؤدي الى توسيع اوثق العلاقات والروابط مع الدول العربية في الخليج وشمال افريقيا وهو بهذا الموقف يبرر لجموع المستوطنين الانسحاب من الجولان وجنوب لبنان وحتى لا تظهر هذه القضية وكأنها رهن بالرؤية الامريكية الجادة من اجل حمل اسرائيل على الانسحاب على الجبهة السورية. ولقد ذهب الجنرال اوري سابي مسئول ملف المفاوضات مع سوريا بعد تصريح له على القناة الثانية في التلفزيون الاسرائيلي بقوله (ليس هناك اي شخص عقلاني في اسرائيل لايفهم مغزى السلام مع سوريا) وهذا اشارة الى ضرورة اعادة الجولان بالكامل ومن نافلة القول ان المعارضة اليمينية لاتزال تصدق قضية الاستقلالية الاسرائيلية بمحاولاتها العبثية قتل الاتفاق المحتمل مع سوريا مطالبة بالحصول عل اكثرية خاصة بالاستفتاء حول الانسحاب من الهضبة السورية, وقدم الليكود وهو اكبر حزب يميني مشروع قانون بهذا الخصوص باسم 45 نائبا من المعارضة والاكثرية واكد رئيس لجنة الليكود البرلمانية روفين رفلين بقوله: من غير, المعقول ان يتم اقرار مسألة مصيرية على هذه الدرجة بالنسبة للمستقبل بأكثرية عادية لذلك نطالب بان لا يتخذ قرارا حول الانسحاب من الجولان من دون موافقة غالبية المسجلين وليس المقترعين وعلى ما يبدو ان روفين هو الآخر يجيد لعبة الديمقراطية الداخلية لكنه يعي الحقيقة الامريكية المرة التي تطالب باراك العمالي وغيره من الاحزاب الاخرى بما في ذلك الليكود, بالتوصل الى السلام على المسار السوري ـ الاسرائيلي وان هذه القضية ليست سوى لعبة انتخابية داخلية ليس الا ولعلي اجزم القول ان كل المشاريع التي تقدم في الكنيست الاسرائيلي والتي ستقدم لن تحظى بالنجاح مطلقا وان ما يورده العديد من المحللين والمتخصصين بالشأن الاسرائيلي بان اي موافقة على اتفاق سلام مع سوريا سيحتاج الى ما لا يقل عن 60% من المقترعين مع الاخذ بعين الاعتبار بأن معدل نسبة الامتناع عن التصويت في الانتخابات في اسرائيل هي 20% وان هذه الصبغة محاولة لقتل السلام مع سوريا في المهد لانها ستعطل بشكل خاص اصوات مليون عربي اسرائيلي يشكلون 14% من اصوات الناخبين في اسرائيل باعتبارهم مؤيدين لاتفاق سلام مع سوريا تعتبر هذه الاقتراحات والصيغ بحد ذاتها ترويضا وتهيئة للمستوطنين الاسرائيليين لقبول لحظة الانسحاب بتغطية شكلانية عبر صناديق الاقتراع وكذبة الديمقراطية الاسرائيلية المزعومة وان القوى المتدينة (حزب شاس الديني المتشدد والحزب القومي المفدال وحزب اسرائيل بعليا للمهاجرين الروس) المتحالفة مع الليكود في تسويق القانون بشأن الانتخابات المزمع عقدها, هدفها الاساسي البحث عن ما ستجنيه من خلال موافقتها على الانسحاب من الجولان وعلى سبيل المثال لا الحصر. ان الحل بعد تجمع العمل موجود بين ايدي حزب شاس وهو ثالث حزب في الاكثرية مع 17 نائبا من اصل 120 يريد المساومة لدعم رئيس الوزراء الاسرائيلي ايهود باراك سياسيا على المستوى الداخلي بمقابل دعم مؤسساته التربوية التي تعاني من افلاس مالي والذي يطالب باراك مقابل موافقته على مشروع الانسحاب منحه 70 مليون دولار وهذا المطلب يتزامن مع اقرار الميزانية لعام 2000 والجدير ذكره ان باراك هو الاكثر قدرة على تمثل الدور والرؤية الامريكية وهو الطرف المعتمد امريكيا هذه الايام لتمرير الانسحابات المنتظرة ولن يقوى احد على مواجهته داخل الشارع الاسرائيلي ودون ذلك يبقى مجرد هراء كما انه لن يجرؤ على التنصل من استحقاقات السلام الذي اخذها على عاتقه امام الرأي العام المتمثل بالولايات المتحدة الامريكية. *كاتب فلسطيني مقيم في دمشق