ربما كان الأصح ـ عندي وعند الكثيرين ـ أن القرن الجديد لم يبدأ بعد, وأن العام المقبل هو موعد بدء الألفية الثالثة. ومع ذلك فلا مفر من الوقوف مع العالم كله وهو يودع القرن الذي مضى ويستقبل القرن الجديد.. حتى ولو كان ذلك الاحتفال (قبل الهنا بسنة) كما يقولون . والاحتفال نفسه الذي شاركت فيه الملايين وتابعه المليارات من البشر عبر أجهزة التلفزيون.. هو في حقيقته تجسيد لإنجازات نهاية القرن, فها هو العالم وقد تحول إلى قرية صغيرة بالفعل, والحدود وقد أصبحت وهمية, والمعسكر الغالب يفرض رؤاه على الجميع ـ ويفرض معها (الاجندة) الخاصة به, ومع انتصار الرأسمالية وانكسار الاتحاد السوفييتي ـ يلتحق العالم كله بثقافة الغرب (وأمريكا على وجه الخصوص) ينشغل بما تنشغل به.. بدءاً من بنطلون الرئيس الذي دخل التاريخ مع حكاية مونيكا, وانتهاء باحتفال الألفية الذي جاء تتويجاً لقرن الانتصار الأمريكي. وكالعادة تابع العرب الموقف من موقف المتفرج أو المستهلك للحضارة, وحتى حين حاولوا المشاركة الفاعلة في الاحتفال كما فعلت مصر التي أقامت احتفالاً كبيراً عند سفح الهرم تابعه الملايين على شاشة التلفزيون.. حتى حين فعلت مصر ذلك وقدمت احتفاليتها الكبيرة باعتبارها صانعة كبيرة للتاريخ.. فإن الاحتفال شابه أمران هامان. الأمر الأول.. أن الذي أبدع الاحتفال فنان فرنسي, وكان ذلك موضوع خلاف كبير داخل مصر وصل إلى البرلمان. وهو أمر له معناه (بعيدا عن التشكيك ومنطق المؤامرة كما يقال) من حيث إثبات أن الابداع الآن للثقافة الغربية.. أو هكذا يراد, وان التاريخ وحده لايكفي إذا لم تسانده القدرات الحالية والمستقبلية. والأمر الثاني.. أن الكل ـ في عالمنا العربي ـ انشغل بالمظاهر ولم يستغل المناسبة كما ينبغي بأن تكون لحظة للحساب والمواجهة. لحظة نعود فيها إلى النفس ونستعرض القرن بإنجازاته واخفاقاته, ونستوعب الدرس ونستعد لقرن جديد حاسم في تاريخ البشرية, لن يكتب فيه البقاء إلا لمن يملك شروطه. من حق الدول الغربية وشعوبها أن تحتفل في نهاية القرن بانتصارها الذي تحلم بأن يكون انتصاراً نهائياً, والذي دفعت ثمنه غالياً.. حروباً أهلية وحربين عالميتين أشاعتا الدمار وقتلتا الملايين, وسباقاً طاحناً مع (الخطر) الذي مثله الاتحاد السوفييتي انتهى بتدميره وتفكيكه وهزيمة التجربة الشيوعية هناك. من حق الدول الغربية أن تحتفل.. فقد خاضت معاركها بوعي, وحسمت الأمر لمصلحتها حين أعلت سلطان العقل واطلقت حرية الابداع. وبالعلم والحرية التي احترمتها في بلادها فعلت الكثير. صحيح انها اقامت نهضتها في الحقيقة على ميزان حضاري كنا نحن من بين صانعيه, وعلى نهب هائل لثروات الشعوب من خلال استعمار وحشي, وأعلنت التزامها بالمبادىء السامية وحقوق الانسان.. ولكن داخل حدودها ومع مواطنيها, اما إذا اصطدم ذلك مع مصالحها.. فعلى المبادىء ان تتوارى عن الأنظار. صحيح ذلك كله, ولكن الصحيح ايضا ان هذه الدول استطاعت ان تستغل ذلك كله لتصل في النهاية الى وضع السيطرة شبه المطلقه على أقدار العالم لحين اشعار آخر. ومع ذلك فهي لا تغفل عينيها عن الاخطار المحدقة بها والتحديات التي تواجهها. وطوال سنوات نهاية القرن على وجه الخصوص ومع هزيمة المعسكر الشيوعي وانهياره, ورغم إطلاق حكاية نهاية الحضارة التي تحاول تثبيت الوضع الحالي للأبد, والايحاء بأن انتصار الغرب نهائي, ومصير الكون قد تحدد من الآن والى الابد.. رغم ذلك كله فالجهد العلمي لم يتوقف لاستيعاب الدرس وتلافي مصير امبراطوريات كبرى قامت وازدهرت وتفوقت.. ثم انهارت في النهاية. والغرب الآن لايكتفي بتثبيت سيطرته, وضرب أي محاولة لتحديها. واستغلال عناصر التفوق التي يمتلكها.. لايكتفي بذلك بل يفرض على العالم ثقافته وسياساته ومعها النظم التي تكفل له استمرار التفوق, ولغيره ان يتعايشوا مع هذه الحقائق أو يبتعدوا عن الطريق! أما نحن العرب.. فماذا لدينا لنحتفل به؟ وماذا قدمنا للعالم ولأنفسنا خلال هذا القرن؟ وهل سيكون لنا مكان لائق في القرن الجديد؟ و.. عشرات الأسئلة التي كان لابد ان تكون هي الهم الأساسي لنا ـ ولكننا ـ كالعادة ـ نهرب من مواجهة الحقائق ونعيش في معظم الأحيان على التاريخ, أو مع الأوهام, فتكون النتيجة أن نتراجع أو ـ في أحسن الاحوال ـ نظل (محلك سر) بينما العالم يتقدم بل يقفز إلى الأمام, ونحن نتفرج ونتغنى بقصائد الرضا عن الذات التي لايوجد في حياة شعوبنا مايبررها على الإطلاق. وقد يكون فيما أكتبه بعض القسوة على النفس, ولكنها ضرورية ولها ما يبررها خاصة عند الجيل الذي انتمي اليه, والذي تفتح وعيه في سنوات النهوض الكبير ثم عاش النكسات والهزائم بعد ذلك. لم يكن وهماً ما بحثنا عنه بل كان هو الحقيقة الكبرى والممكنة. كنا في نهاية الخمسينيات من هذا القرن الذي مضى, وطعم انتصار السويس مازال في حلوقنا, وآثاره تتأكد على أرض الواقع.. الاستقلال الوطني يتأكد, والاستعمار القديم يحمل عصاه ويرحل, وأعلام الحرية ترتفع من الخليج الى المحيط, وعملية البناء الداخلي تبدأ ولم تكن سهلة, فالاستعمار لم يترك وراءه إلا الخراب, ومع ذلك فالآمال كبيرة, ورياح الحرية التي تعصف بآسيا وأفريقيا تقوينا, وأصدقاء جدد في الشرق والغرب يناصرون, والجماهير تتمسك بأحلامها الكبيرة ولاتنوء بأعبائها الثقيلة. ومن انتصار السويس إلى الوحدة المصرية السورية التي أطلقت المارد من القمقم, وأنهت سؤال الهوية الذي ظل لسنوات مطروحا, وفتحت ابواب الامل على مصراعيها لأمة حددت هويتها وعرفت طريقها وامتلكت إرادتها وفرضت قرارها. كانت الأمة ـ رغم المصاعب والتحديات ـ في أحسن حالاتها.. ولم يكن سؤال الهوية وحده هو الذي تمت الاجابة عنه ـ ولكن كان معه العديد من الاسئلة والقضايا التي تم حسمها.. أو هكذا كانت الصورة. كان هناك مشروع للنهضة القومية لم يكتف بالتنمية الاقتصادية التي حقق فيها تجربة رائدة ونجاحات هائلة بكل المقاييس, ولكنه طرح رؤية متكاملة لوحدة قومية تحشد الامكانيات البشرية والمادية لتقهر التخلف الذي ورثته الأمة عن سنوات الاستعمار, ولتقيم مجتمع الحرية والعدل, وتقتحم العالم الحديث بالعلم, وتستعيد أعظم مافي تراثنا العربي والإسلامي من قيم ايجابية اغرقتها سنوات الاستبداد والاستعمار في بئر الخرافة والجهل. وبالعلم والاستقلال, والتنمية والاخذ بأسباب القوة الاقتصادية والاجتماعية, ومشاركة المرأة, واقتحام طبقات المجتمع التي عاشت دهورا مهمشة ثم استردت الدور والوعي والارادة.. انفتحت ابواب الابداع في كل المجالات, وبدا ان الاحلام تقترب من التحقيق بأسرع مما كنا جميعا نتمناه. وفجأة تتوقف المسيرة وتبدأ الانكسارات.. ومن الانقلاب على الوحدة المصرية السورية, إلى هزيمة 67 المفجعة.. ورغم ان مازرعناه في سنوات الامل كان قويا الى درجة أن الهزيمة المفجعة لم تقتلنا, بل صمدنا وقاتلنا وهزمنا الهزيمة في 73.. رغم ذلك فإننا لم نستطع ان نمسك بالأحلام من جديد, ولم نتمكن من بث الحياة في مشروعنا القومي. وبدلاً من ان نستغل انتصار اكتوبر العظيم ومارافقه من انتصار في معركة البترول, فإن حلف اكتوبر العربي لم يستمر, وبعد الحديث عن امتلاك العرب لكل الامكانيات التي تؤهلهم لكي يكونوا القوة السادسة في العالم.. بدأ التراجع, وغرق العرب في حروبهم العربية العربية كما أرادت امريكا وكما صمم كيسنجر, وبدأت مسيرة الصلح المنفرد مع اسرائيل, وتراجعت أحلام التنمية والتقدم, لنصل مع نهاية القرن الى الواقع الذي تعيشه الأمة, والذي يجعل الحساب عسيراً والحصيلة النهائية لاتسر. فها نحن نعيش مع نهايات القرن زمن الإقرار بالهزيمة أمام المشروع الصهيوني بكل عدوانيته وخطورته. وها نحن نعيش زمن التمزق العربي الذي ينهي جسد الأمة ويذهب بما تبقى من آمال. وهانحن نستعيد الاسئلة التي كنا قد حسمناها قبل عشرات السنين وكان حسمنا يومذاك هو بداية الطريق إلى مشروع النهضة العربية.. ها نحن نتساءل مرة أخرى عن هويتنا, ويبيع بعضنا عروبته من أجل المصالح الخاصة, أو لحساب مشروعات اقليمية اخرى أو اطروحات مشبوهة. وها نحن نعود لنفس الحديث الذي نلوكه في أفواهنا منذ عشرات السنين عن الاصالة والمعاصرة. ونسترجع أسوأ ما في تراثنا لنحييه من جديد بينما نهدر كل القيم الايجابية في هذا التراث الاسلامي العربي العظيم, دعاوى التكفير ومذابح الجهلاء الذين لايعرفون شيئا عن صحيح الدين, ونهين العقل ونسقط اسرى للخرافة في زمن يحكمه العلم.. والنتيجة أن نقف عاجزين عن مواجهة العالم الجديد بكل تحدياته, مهددين بأن نكون على الهامش في زمن العولمة.. إذا بقى مكان في هذا الهامش لأمثالنا. ان هذا ينفي ان هناك انجازات تتحقق في هذا القطر العربي أو ذاك, ولكن الحصيلة النهائية هي الاخفاق, وما حققناه خلال القرن الماضي بعيد كل البعد عن الذي كنا نحلم به ونملك كل الامكانيات لتحقيقه. والاخطر اننا لانملك الشجاعة لنقف مع أنفسنا ونعترف بالإخفاق ونقر بالهزيمة, ونتجنب اسباب ماحدث ثم نتلمس طريق النجاح ووسيلة العبور للعصر المقبل بكل تحدياته. لم يعد حديث المقارنة مع اليابان التي بدأت نهضتها معنا ووصلت الى ماوصلت اليه, يجدي ولم يعد حديث أوروبا التي بدأت جهودها للوحدة الاقتصادية معنا واصبحت عملاقا اقتصاديا حديثا نافعا.. فالهوة اصبحت واسعة, والاحباط اصبح شاملا, والأزمة تمنعنا حتى من النظر فيما فعلنا ومالم نفعل والبحث عن اسباب الاخفاق الذي نعانيه. ان ماتريده القوى المتربصة بنا أن تعتاد الامة على هذا الوضع من التشتت والعجز, لكي يسهل فرض المخططات الموضوعة للمنطقة بعيدا عن اي وعي بوحدة المصير العربي, وفي ظل غياب المشروع القومي الذي يحشد قوى الامة من اجل النهضة. وقد يكون مفهوماً ما يعانيه النظام العربي الآن, ووقوفه عاجزاً عن عبور الأزمة الطاحنة التي يمر بها فالقضية لم تعد أن تنعقد القمة العربية أو لا تنعقد القضية اصبحت ان تكون الامة مؤهلة لمواجهة التحديات التي تحيط بها والاخطار الكاسحة التي لا تهدد تقدمها فقط بل وجودها نفسه. قد يكون مفهوما عجز النظام العربي.. ولكن ماذا عن المثقفين العرب؟ ولماذا ـ وهم عقل الأمة وضميرها ـ يقفون هم أيضا عاجزين عن المواجهة؟ ما الذي يمنعهم من حساب النفس عما فات وطرح تصوراتهم لعبور المحنة. إنها الأزمة الأخطر... ولنا معها حديث آخر.