ونحن نخطو في الايام الاولى للقرن الواحد والعشرين سررت بحكم محكمة الاستئناف الصادر ببراءة الاخوين عبدالمحسن العثمان واياد الشارخ (من العاملين في امانة الوقف في الكويت) وحزنت من جانب آخر للاشارة الى الاخ الكريم يوسف السميط (وزير الاعلام السابق) تلك الاشارات السلبية التي يطمئن كل من يعرفه الى انها غير واقعية, بعد جهد مشهود له في مؤسساتنا الاعلامية اعطاه الرجل كل اخلاصه وعصارة خبرته. والثلاثة في حياتنا هم فقط بعض ممن اصابهم ما اسميه (ثقافة التراجع) وعرض بهم في مجلس الامة, فبرغم ان القضاء العادل قد برأ الاخوين العثمان والشارخ كما هو الاخ السميط بعيدا عن الشبهة, الا ان الرذاذ الذي يصيب رجالا عاملين في الشأن العام عندما ما ينطلق دون وجه حق يصيب كل المخلصين بالاحباط, خاصة ان جاء من مؤسسة انتخب رجالها ليذودوا عن الحق. قبل ان يقول القضاء العادل كلمته الاخيرة وتعلن البراءة كتبت هنا وفي عين العاصفة بتاريخ الرابع من مايو من العام المنصرم (يوم الاستجواب الشهير لوزير الاوقاف السيد احمد الكليب) كتبت اقول تحت عنوان (هل تكون الضحية هي تجربة الوقف الكويتي؟) , ما نصه (نتيجة للتصنيف الحاد في مجتمعنا وتنافر المعسكرات السياسية لا تجد مثل هذه المؤسسات من ينصفها, فان وقع خطأ او تكونت ملاحظات على الاداء تكالب عليها المنتقدون بضجيج تتوارى فيه الحقيقة ووقعت موقع الضحية في هذه المبارزة السياسية) . وكلنا يعرف ما تم بعد ذلك من خسارة فادحة دفع ثمنها الوطن, فقد تم حل مجلس الامة وجاءت انتخابات جديدة, وتغيرت المياه من تحت ارجل الكثيرين, كان من الممكن بشيء من التعقل والنظر الى الامور بحجمها الصحيح تجاوز الضجيج السياسي وتغليب الحكمة وترك مسيرة الوطن تمخر في هذا البحر الهائج من حولنا ومن بها في سلام. ولكن الامور لم تؤخذ بتلك الرؤية, وتغلب الشكل على المضمون, وبعد ستة اشهر والبراءة الواضحة من تهمة كانت في اكثر اشكالها تطرفا خطأ بشريا يمكن ان يقع في كل حين, ولم يكن من العقل ان يتهم الجميع بتعمد ذلك الخطأ. مناسبة العودة لذاك الموضوع اثارتها عودة البعض الى ضجيج اخر يشابهه في الجوهر ويختلف عنه في الشكل, وينصح المخلصون مرة اخرى بأن يحسب حسابه الدقيق وتتغلب الحكمة حوله واعطاء الرجال حقهم والوطن ما يستحقه. الملاحظ من جديد ان عقلاء يرفعون اشارات التحذير لنا جميعا ويشيرون الينا حول مغبة التورط في جدل بيزنطي يؤدي الى ضعف في الصف الوطني وهشاشة في القدرة على المقاومة وضياع للاهداف الوطنية الكبيرة في خضم الصغائر, وليس من باب المصادفات ان نرى تزامن كتابات محذرة من مغبة السير في هذا الطريق تأتي من كل جانب, فقد كتبت مجلة (الطليعة) في عددها الاخير في الاسبوع الماضي محذرة من احتمال تحقق ما ذهب اليه طارق عزيز نائب رئيس الوزراء العراقي مباشرة بعد انحدار القوات الغازية من الكويت, حيث نقل عنه قوله (اننا لن نفعل شيئا فهي (الكويت) ستسقط وحدها بعد ان تتآكل من الداخل) ! اما صديق الكويت المخلص الاستاذ عبدالرحمن الراشد رئيس تحرير جريدة (الشرق الاوسط) , فقد كتب مقالا طويلا في جريدته قبل ايام من نهاية القرن يتساءل في بعضه: (لماذا توقفت الكويت عن دورها عاصمة للحركة الخليجية في التنمية والتجديد الذي عرفت به في الستينيات والسبعينيات؟) ثم يطالب بمشروع جديد للكويت يقول عنه (هذا المشروع الجديد للكويت ليس من اجل التجديد ومواكبة التطور, بل لانه مؤشر مهم يوحي بانها تعافت من مرض الخوف وقررت البناء الداخلي) . أرى ان صلب الاشكالية التي تواجهنا في ما عرضت يتلخص في كلمتين او مفهومين (التآكل من الداخل) و(البناء الداخلي) وامامنا جميعا خيار واضح هو البناء ومقاومة التآكل, في سنة جديدة وبداية قرن جديد, ولعل اول ما نبدأ به, من بين امور اخرى, هو التأكد من ان الممارسة الديمقراطية هي ليست نصوصا ولا هي اماني, بل هي ممارسات تتوخى خير الوطن, لا تغليب الحسابات الخاصة على الحسابات الوطنية العامة واخذ المواقف لاسباب موضوعية لا لاسباب شخصية, لان الديمقراطي انساني في روحه حكيم في استعمال سلطته واخلاقي في اهدافه. ولا تعوزني الشجاعة في القول ان العديد من اعضاء المجلس الحالي لديهم هذه القدرة على قول الحق من جهة والاهتمام بالكليات الوطنية من جهة اخرى, ولكن لابد ان هؤلاء مثل غيرهم من عقلاء المجتمع يرون التحديات الشاخصة لبلادهم وهي تحديات كبرى ويأسفون من ضياع الوقت والجهد في القضايا الجانبية, وان البعض مع الاسف في طرحه لهذه القضايا يبحث عن (الشعوبية) او يسير وراء الاقوال المرسلة دون سند. وعودة لبعض الكتابات عن الازمنة التي سميت في تاريخنا السياسي بأزمة المصاحف لاستخلاص الدروس, فنرى ان كاتبة مثل سعاد المعجل تقول بالنص تعليقا على ما حدث وقتها (ان ازمتنا الحقيقية لا تكمن في حل مجلس الامة, وانما في واقعنا السياسي الذي يجعلنا نصر على ممارسة الديمقراطية بردء القبيلة, ونستعين بالسرية والكتمان في التعبير عن انتماءاتنا الفكرية, نمارس الاختلاف من وراء اقنعة مزيفة ومموهة!) . تلك بعض الكتابات, وهناك عشرات من الاخوة الذين ادلوا بدلوهم بهذا الاتجاه, وهي صيحة ما زلنا بحاجة الى ترديدها. واذا ابتعدنا عن الشجرة لنرى الغابة فاننا سنجد في تاريخنا السياسي اربعة عشر استجوابا من نواب الى وزراء. معظم هذه الاستجوابات اما سحبت او لم تؤد الى خروج الوزير المختص, وثلاثة منا سببت ازمة محكمة: واحد بالاستقالة والثاني بتغيير وزاري والثالث بحل مجلس الامة, اما الاغلبية فقد انتهت اما بسحب الاستجواب او لم يستطع من قدمها الحصول على اغلبية او اكتفى المستجوب بجواب الوزير المختص, ولكن الملاحظ ان ثلاثة من الاربعة عشر استجوابا تمت في مجلس ,1996 وهي ظاهرة لافتة للنظر وتستحق الوقوف امامها, كما كان هناك (قائمة انتظار) طويلة. وعند تحليل المسيرة السياسية يستطيع الباحث ان يصل الى نتيجة مريحة هي ان الاوائل كانوا اكثر دراية بآليات العمل السياسي من حيث المصالح المرسلة للجمهور العام, ومن حيث النتائج المراد تحقيقها او التي تحققت بالفعل, ومن حيث التفرقة بين المصالح العامة والرغبات الشخصية. في مجلسنا الحالي مجموعة من الرجال الذين لا تنقصهم الحكمة ولا الفطنة, لا اريد ان اسمي حتى لا يفسر الامر وكأنه تزكية للبعض دون البعض الآخر, ولكن هؤلاء الرجال اثبتوا انهم استوعبوا الدروس, وقد وضعوا مصلحة الوطن فوق كل اعتبار, وقاوموا الضغوط التي تبدو وكأنها شعبية, ونظروا الى المصالح الوطنية والمرسلة, قبل المصالح الفئوية الضيقة والمصالح الخاصة والمصلحية, الا ان هؤلاء يحتاجون الى مساندة والى تعضيد, فقد تطايرت حولهم الكثير من الاقاويل المغلوطة والاشاعات المغرضة, وكما يجوز للمراقبين العدول تقديم النقد يتوجب عليهم ذكر الايجابيات. في عام جديد يطل علينا, وفي بداية ألفية جديدة يجب الا نلج باب المجهول دون رؤية وروية, فقد استقر في ضمير المواطن الكويتي اهمية العمل الديمقراطي, وانه مكان لمناقشة الاجتهادات المختلفة دون ان يطغى اجتهاد على آخر الا بالحق والمنطق, وان المواطنين سواسية, لهم حقوقهم وعليهم واجباتهم, كما ان العاملين ليسوا في خندق مختلف عن الاخرين, فالكل في خندق واحد وهو خندق الوطن, كما تبين اليوم من حكم المحاكم العادلة بعد ضجة اوقفت الجميع على اهبة كتم الانفاس. التحدي الحقيقي هو كيف يمكن ادارة الاختلاف بروح من التسامح والفهم وتقصي الحقائق, اما ان سرنا سيرتنا الاولى فان التآكل من الداخل الذي حذر منه العقلاء ويسعى الى تحقيقه الاعداء قد يبذر بذرته, ويرعاها البعض دون قصد. مواجهة ثقافة التراجع تحتاج الى ثقافة الاقدام, وثقافة التناصح والبحث عن وسائل حضارية لادارة الاختلاف, ومن قبله التوافق على اجندة وطنية واضحة الخطوط في التنفيذ كما هي واضحة الاهداف. انه التوافق الوطني الذي نبحث عنه, وهو من صلب العمل الديمقراطي, فالاخير في جوهره قبول بسيادة القانون وايضا قبول بالتوافق. * الامين العام للمجلس الاعلى للفنون والآداب ـ الكويت