ماذا يحدث لو ان المفاوضات السورية الاسرائيلية أثمرت اثناء العام معاهدة سلام يتضمن انسحابا اسرائيليا كاملا من ارض الجولان بينما بقيت عملية التفاوض الفلسطينية الاسرائيلية بشأن (الوضع النهائي) معلقة بين التعنت الاسرائيلي والعجز الفلسطيني ؟ ان للتفاوض على المسار الفلسطيني استحقاقين متفق عليهما بين طرفي التفاوض على الورق: اولا, اتفاق مبدئي على (اطار) في فبراير, وثانيا اتفاق نهائي في سبتمبر, ووفقا للشواهد المتوافرة فان ايا من الاستحقاقين لن يتبلور لا في الموعدين المحددين ولا في اي وقت لاحق خلال العام. بل ان بعض المسئولين الاسرائيليين يتحدثون من حين لآخر في تصريحات اعلامية عن (سنين) تفاوضية. في كل الاحوال فان خروج معاهدة سلام سورية اسرائيلية الى حيز الوجود اقرب احتمالا من اتفاق فلسطيني اسرائيلي واذا تحقق ذلك فعلا فانه سيكون بمثابة تحول تاريخي في مسار الصراع العربي الاسرائيلي. فجأة سوف يحل مناخ جديد ومرحلة جديدة سيكون الفلسطينيون اول من يحس باثرهما وهو سيكون بالضرورة تأثيرا قاسيا فالمعاهدة السورية الاسرائيلية ـ اذا تحققت فعلا ـ سوف تعني بانضمامها الى معاهدة كامب ديفيد مع مصر ومعاهدة وادي عربة مع الاردن, اسدال ستار نهائي على مرحلة حالة الحرب التقليدية بين العرب والدولة اليهودية. وهذا بدوره سوف يؤدي الى اشاعة شعور عام بالوحشة الحادة بين صفوف الشعب الفلسطيني بعد ان يجد نفسه وحيدا في مواجهة اسرائىل, اما الاسرائيليون انفسهم فسوف يعمهم شعوران متناقضان: شعور بالارتياح لحلول السلام مع سوريا, وفي الوقت نفسه شعور بالخسران لاضطرارهم للتفريط في ارض الجولان الاستراتيجية لكن محصلة جمع هذين الشعورين ستكون تصميما على مزيد من التصلب في مواجهة المطالب الفلسطينية. مثل هذا المشهد قد يتطور سريعا على الجانب الفلسطيني الى غضب يائس ربما يفضي الى انتفاضة شعبية عارمة موجهة ليس ضد الاحتلال الاسرائيلي فحسب, بل ايضا ضد قيادة السلطة الفلسطينية نفسها. ولنستذكر ان انتفاضة الثمانينيات كانت وليدة شعور غاضب افرزه شعور بالوحشة واليأس, فقد كانت الشرارة التي ادت الى اشعال الانتفاضة بيانا صدر عن اجتماع قمة عربية في العاصمة الاردنية عمان عند اواخر عام 1987 اجمع فيه القادة العرب على ان حرب الخليج (بين العراق وايران) الدائرة آنذاك لها اولوية حتى على القضية الفلسطينية. واذا وقعت انتفاضة فلسطينية فان قيادتها ستكون بدهيا لتنظيمات المعارضة وبما ان ابرز الفصائل المعارضة في المشهد الفلسطيني واقواها وادقها تنظيما هي المنظمات الاسلامية, وفي مقدمتها (حماس) و (الجهاد الاسلامي) فان تفاعلات الانتفاضة قد تؤدي بمرور الزمن وتصاعد المشاعر الغاضبة الى اثارة المنظمات الاسلامية الراديكالية في بلدان عربية اخرى. اذا نشأ موقف ملتهب كهذا في ارجاء العالم العربي فانه غالبا مايؤدي الى تصعيد التوتير بين الجماعات الاسلامية وبعض الانظمة الحاكمة. وسيكون اولى ضحايا التوتر مشروع (الوئام الوطني) في الجزائر الذين يهدف منه الرئيس بوتفليقة الى خلق تصالح سياسي عام يستوعب المنظمة الاسلامية الرئيسية (جبهة الانقاذ الاسلامي) . ان في الجزائر حاليا توترا بما يكفي سببه الرفض غير المعلن من جانب المؤسسة العسكرية ضد اي تقارب او تصالح يمكن ان يعطي شرعية لجبهة الانقاذ ويسمح بعودتها الى الساحة السياسية الطبيعية.