هناك مصطلح تعارف عليه الناس وتداولوه زمنا طويلا دون أن يخضعوه للتقييم والمراجعة, انه مصطلح (صراع الاجيال) , فكل الذين يدخلون في حوار حول هذه الظاهرة الانسانية, يناقشونها من وجهة نظر الجيل الذي ينتمون إليه, والغريب أن جيل الصغار أو الأبناء لا يدخلون أو لا يسمح لهم بالدخول في هذا الجدل , وحدهم الكبار قد صادروا حق التصارع حول هذا الصراع. في هذا الصراع تبدو ثلاثة اجيال متفاوتة, غالبا ما يندرج خلافها واختلافها حول ثلاثة مفاصل رئىسية: منظومة الاخلاق وعادات الاستهلاك ونوعية الطموحات الذاتية, وحول هذه المحاور لا يتوقف صراع الاجيال ولا ينتهي, فعندها ترتفع نبرة الحوار بينهم وعندها يفترقون دون اتفاق ودون ان يسلم جيل للآخر بحقه في ان يمارس (ذاته) من حيث عاداته وقيمه وطموحاته كما يشاء. وفي الحقيقة هناك أمر مجمع عليه هو أن الأجداد والآباء دائما ما يرون انفسهم على حق في قيمهم الاخلاقية وفي عاداتهم وطموحاتهم, وفي المقابل فكل ما يأتي به جيل الابناء مقذوف في مساحة الرفض لانه أما خطأ أو ناقص أو حرام أو..! لكن اذا كان كل ما يفعله جيل الأجداد والآباء صحيحا مئة بالمئة فلماذا فشل في أن يثبت وينتشر ويركز قواعده في الزمن؟ ولماذا عجز أن يقنع جيل الأبناء بالأخذ به دون التجديف تجاه الاخطاء والنواقص؟ (جي ووكر سميث) وآن كلارمان. وضعا كتابا مشتركا جديرا بالقراءة تحت عنوان (التأرجح بين العصور) ناقشا فيه حقيقة الصراع بين الاجيال ونوعية الفوارق التي تسود بين تلك الاجيال, حيث القضية ليست حواجز العمر أو الزمن, انها طبيعة حركة التاريخ والمجتمعات, ولابد من الاختلاف بين الاجيال حيث التماثل لا يعني سوى توقف التاريخ وركوده, ولا يمكن أن يكون دليلا على استقرار المجتمعات كما يعتقد البعض. وحيث ان الزمن لا يتوقف, وفي حركة الزمن يتداخل الكثير من التأثيرات الداخلية والخارجية, وحيث تصب كل هذه التأثيرات على البشر الذين يولدون في المجتمعات وينشأون ويكبرون في ظل هذه المؤثرات, فإنه من الطبيعي ان تتغير القناعات, ومنظومة القيم والعادات, والمطامح الشخصية, لكن أمراً في منتهى الأهمية يقع على عاتق أجيال الامس هو حفظ الاطار الثقافي العام الموجه لتلك القيم والعادات والطموحات الانسانية, وهذا الاطار في مجتمع عربي صميم ليس سوى الثقافة الاسلامية معتقدا وسلوكا. وهنا يعاني الاجداد والآباء كجيل حافظ لهذا الارث من مصاعب في مواجهة بقية الثقافات الوافدة عبر أجهزة الاعلام المرئية وشبكات الانترنت والعلاقات الشخصية. من هنا يضج الكثيرون بشكوى تمرد الابناء ودخولهم في تيارات غريبة يستهجنها الآباء عادة من حيث الملبس وطريقة التفكير والتعاطي مع الحياة و... لكن الاستهجان والمقاطعة ليسا حلاً, ان اقامة الجسور بين الاجيال هي الحل الوحيد, بدل القطيعة وتبادل الاتهامات.