بقرار سيادي للإرادة المصرية, وافق الرئيس حسني مبارك على وصل الكثير من خيوط العلاقات الرسمية التي تقطعت أو جمدت مع السودان, وفي مقدمتها تسمية سفير جديد لمصر في الخرطوم, وإزالة الحواجز أمام انسياب حركة المواطنين والتجارة, و النزوح عبر المثلث الحدودي المتنازع عليه في (حلايب) إلى خطوات جادة تؤمن ازدهار التكامل الاقتصادي بين البلدين, ورغم أن هذه التطورات والإجراءات الإيجابية قد صادفت ارتياحا شعبيا مقدرا في السودان, إلا أنها موقوتة ومؤقتة, بمعنى أنها لا تكتسب صفة الدوام والاستمرارية المطلوبة. فمنذ زوال الاستعمار البريطاني عن وادي النيل واستقلال مصر والسودان عام ,1956 والعلاقات الرسمية تراوح مكانها بين الوفاق والتنافي فترات قصيرة, يعقبها فترات أطول من الخلافات والتراجع إلى المربع الأول, و أحسب أن تقلبات الأوضاع السياسية التي شهدها السودان تباعا على مدى الأربع حقب الماضية, إنما السببية المباشرة لهذه الظاهرة العبيثة, أو هكذا استقر الإدراك لدى الرأي العام في مصر, فكلا الشعبين خاضا معا معركة الكفاح المشترك في مواجهة الخلافة العثمانية المريضة عبر تزامن الثورة في مواجهة الاستعمار البريطاني عبر ثورة 1919 بزعامة سعد زغلول في مصر وثورة اللواء الأبيض عام 1924 في السودان بزعامة على عبد اللطيف, فلما اندلعت ثورة 23 يوليو 1952 في مصر بزعامة جمال عبد الناصر, بلغ الكفاح المشترك ذروة الرشد عبر موافقة مصر لأول مرة على حق السودان في تقرير مصيره, وتفويض أهل السودان لجمال عبد الناصر في الحديث مع الإنجليز حول المسألة السودانية, فكانت النتيجة الطبيعية فوز دعاة الوحدة مع مصر في أول انتخابات نيابية في السودان, إيذانا بقيام وحدة وادي النيل عندما يأتي موعد استفتاء الشعب السوداني حول تقرير المصير! لكن تقلبات الأوضاع السياسية في السودان, كانت وراء تعجيل الرئيس إسماعيل الأزهري باستباق موعد الاستفتاء الشعبي, وطرح خيارى الوحدة مع مصر أو الاستقلال على البرلمان عام ,1956 فكان تصويت النواب إلى جانب الاستقلال, صحيح أن مصر كانت أول دولة تعترف باستقلال السودان, وكان لجمال عبد الناصر مقولته المشهودة (السودان القوي في ظل الاستقلال خير لمصر من السودان الضعيف الذي يختلف أهله على الوحدة) , لكن ما حدث عام 1956 ظل يؤرق مصر إزاء سلطة القرار التي يتوجب التعامل معها في السودان, فما تكاد تتفق مع نظام ديمقراطي منتخب من الشعب حول صيغة سياسة مستقرة للعلاقات المشتركة, حتى يداهمه انقلاب عسكري يعيد النظر فيما تم الاتفاق عليه من قبل, ثم يتكرر التغير والتبديل للمرة الثالثة إثر اندلاع ثورة أو انتفاضة شعبية و, هلم جرا! نضرب على ذلك مثالين (الأول) بميثاق التكامل بين البلدين إبان حكم الرئيس جعفر نميري في شتى الميادين السياسية والدبلوماسية والاقتصادية والثقافية والعسكرية إلى حد توحيد السلم التعليمي, بغية تفريخ أجيال جديدة تؤمن بحتميات وحدة وادي النيل, ومد الطرق والسكك الحديدية من أسوان شمالا إلى وادي حلفا جنوبا, إضافة إلى إلغاء تأشيرات دخول البلدين وتخفيض أجور انتقال المواطنين جوا ونهرا بنسبة 50%, فلما جاءت مرحلة الديمقراطية الثالثة في السودان, كان قرار الصادق المهدي رئيس حكومتها إلغاء ميثاق التكامل بجرة قلم, واستبداله بميثاق الإخاء بين الشعبين لكأنما أعاد ـ كما يقولون ـ وصف الماء بالماء, وهكذا عهده في محاكاة سياسية مع القاهرة حول تسليم نميري ومحاكمته في السودان, رغم علمه بأن ثوابت مصر في منح حق اللجوء السياسي غير قابلة للتراجع أو المساومة! المثال (الثاني) عندما بادرت القاهرة إلى الا عتراف بالنظام الجديد في السودان الذي وصل إلى الحكم يوم 30 يونيو 1989 عبر الانقلاب العسكري الذي قاده العميد عمر البشير, ثم مضت زهاء عشر سنوات والعلاقات المصرية من سيئ إلى أسوأ, ولأسباب باتت معروفة للجميع, وبينها إيواء الجبهة الإسلامية لعناصر الإرهاب الأصولي ودفعها لارتكاب جرائم الاغتيال والتخريب في مصر, والاستيلاء على فرع جامعة القاهرة بالخرطوم والمدارس المصرية بالسودان, وكذا مساكن الدبلوماسيين وخبراء الري المصري, ومطالبة أثيوبيا بتسليم ثلاثة من الضالين في محاولة اغتيال الرئيس مبارك بأديس أبابا إثر هروبهم إلى السودان, وتهديد الدكتور حسن الترابي عيانا بيانا لمصر, تارة بحرمانها من مياه النيل وتفجير السد العالي, وتارة أخرى بالصدام المسلح, والأدهى والأمر أن يتبارى الإعلام الرسمي حول اغتيال سمعة الشعب المصري عبر اتهامه بممارسة الفاحشة والموبقات, على نحو البرنامج الذي كانت تبثه إذاعة أم درمان كل صباح عدة شهور متواصلة, في الوقت الذي رفضت مصر منح المعارضة السودانية إذاعة علنية أو سرية لمخاطبة قواعدها في السودان, أو تدريب قواتها في أراضيها على حمل السلاح, واقتصرت على السماح لها فحسب بممارسة نشاطها الإعلامي, ووقفت بصلابة ضد أدراج السودان في القائمة الأمريكية التي تضم الدول التي ترعى الإرهاب, ومنع صدور قرار بطرد السودان من الصندوق الدولي وتحويله إلى نادي باريس, وكذا إحباط مشروع القرار الذي تقدمت به أمريكا إلى مجلس الأمن لفرض حظر على إمداد السودان بالسلاح حتى يستطيع الدفاع عن سيادة وحدته. وعلى ما يبدو أن الجبهة الإسلامية قد بيتت العزم على افتعال الأزمات مع مصر تباعا, وكلما اتفق مبارك والبشير على حل المشكلات التي تعترض انفراج العلاقات, سارع الترابي إلى تسميم الأجواء والمصادرة على المطلوب, وحدث أن تم الاتفاق بين الرئيسين في آخر مؤتمر للقمة العربية بالقاهرة على إرسال بعثة أمنية مصرية للتحقيق من إيواء السودان عناصر إرهابية مصرية من عدمه, فلما وصلت البعثة إلى الخرطوم اعترضت قيادة الأجهزة الأمنية التي تدين بالولاء للترابي على قيامها بالمهمة, وحدث أيضا أن اللواء الزبير نائب الرئيس السوداني جاء القاهرة مفوضا من البشير لفض الخلاف مع مصر, والتقى بالرئيس مبارك وتم الاتفاق بينهما على كل شئ, وإذا بالترابي يهاجم مبارك ويتهم مصر بالتآمر على السودان لحساب أمريكا قبل أن يبرح الزبير القاهرة, بل إلى حد اتهامه للبشير مؤخرا بمسئوليته عن محاولة اغتيال الرئيس مبارك, حتى يقطع عليه طريق التراضي والوفاق مع مصر! فإذا كانت القاهرة قد وضعت في حسابها نجاح القرارات التي أصدرها البشير مؤخرا في فض ازدواجية السلطة بالسودان, وإلا لما كانت مبادرتها المشتركة مع ليبيا لدعم شرعية رئاسة البشير للنظام الراهن في الخرطوم, وإذا كانت سياسة مصر تجاه السودان قد ظلت دوما رد فعل لسياسات الأنظمة التي تعاقبت على حكم السودان, فالمطلوب (أولا) استبعاد محاولة (عفا الله عما سلف) عبر الممارسة المشتركة لفضيلة نقد الذات, ومراجعة الأخطاء والسلبيات, والعلاج الجذري للمشكلات المزمنة التي يتولد عنها التوتر والخلافات, (وثانيا) أن يتبنى البلدان من الآن فصاعدا استراتيجية ملزمة على المدى البعيد, تؤسس لعلاقات ثابتة مرشحة للاستمرارية والازدهار في شتى المجالات, وغير قابلة للتغير مهما تبدلت نظم الحكم وتباينت مناهجها وسياستها هنا أو هناك, وفي كل الأحوال لا مفر من مشاركة المنظمات الشعبية في وضع هذه الاستراتيجية, والتمكين لدورها الحيوي في تفعيلها وتأمين مسيرتها!