سئل مستمع عربي ليلة رأس السنة والالفية عن اهم امنية عنده للقرن, فرد: أغنية (على مين تلعبها) وأهديها .. فقاطعه المذيع فورا: نقصد اهم امنية عندك لا اغنية, فتلجلج المستمع وقال ببرود: أمنية, ما هناك أية أمنية. طبعا المستمع كان يمكن ان يسأل المذيع بدوره: أليس هناك خيارات , لكي يختار منها امنية إجابة عن السؤال, فيكمل بذلك صورة جريمة من جرائم اعلامنا العربي, وبما أن القصة حقيقية وليست اختراعا, فهي ان دلت على شيء فعلى أن المواطن العربي تهمه الاغنيات لا الامنيات, خاصة بعد ان اصبح خبيرا فيها بحكم ما تعرض له من عمليات غسيل مخ مستمرة طوال السنوات الاخيرة من القرن الماضي العشرين, بفضل الاذاعات الموجهة إلى دماغه والفضائيات الصاروخية, عابرة الحدود, والتي لا شغل لها سوى أن تذيع له الاغنيات وتعرفه بالمطربين والمطربات, حتى صار المستمع خبيرا فنيا في المطربات رغما عن انفه, يسأل عن احداهن فيجيب اجابة صحيحة مئة بالمئة, ويسأل عن مدينة اسمها كناكري, فيجيب انها نوع من الكونكريت. طبعا هناك غسيل مخ ارضي تعرض له هذا المواطن بأفضل انواع المساحيق السياسية والفكرية على يد الانظمة العربية حتى نسيّ انه مواطن يمكن ان تكون له امنيات في آخر العام, كما هو حال مواطني بقية الدنيا, من الذين يحلم بعضهم بزيادة الدخل وآخرون بزيادة الضمان الاجتماعي وغيرهم بزيادة مساحة الحرية والديمقراطية, مع ان هؤلاء عندهم من كل ذلك مالا نحلم به, لولا انهم يطلبون المزيد كبشر من حقهم الحياة الكريمة, ومواطننا العربي لا يطلب سوى الاغنيات, ففيها وحدها راحة باله. ويمكنني طبعا ان البي طلبات مستمعين من هذا النوع وقراء فأقدم لهم هدايا غنائية, فأهدي الوحدة العربية اغنية لسه فاكر كان زمان, واهدي زعيما عربيا ليس له وجود اغنية يا طيب القلب وينك, واهدي جامعة الدول العربية اغنية طبيب جراح قلوب الناس اداويها, وأهدي اتفاقية الدفاع المشترك اغنية ولا تسوى في عيوني شيء, واهدي قضية فلسطين اغنية ما بلاش نتكلم في الماضي, وهكذا, لولا ان مثل هذا المستمع لا تنقصه ثقافة غنائية, لكي ازيده منها, قدر ما ينقصه احساس بالواقع والزمن, لم يعد موجودا عنده للاسف, حتى وهو يدخل قرنا وألفية جديدين. غير انه يمكنني مقابل هذا المستمع وبالنيابة عنه ان افكر في امنيات عربية للقرن كله, وليس لعام منه, فأتمنى بعد حلول السلام مع اسرائيل ان نتوجه فعليا إلى حرب جديدة هذه المرة مع التنمية, فلا يأتي منتصف القرن إلا ودولنا صناعية وزراعية وتكنولوجية بما يكفيها ذاتيا وبما يجعل منها قوة اقتصادية محترمة, فقد ولى زمن العضلات والقبضايات وجاء زمن التفكير والتدبير. واتمنى طبعا مع التنمية الشاملة ان يتقدم النظام التعليمي بما يتناسب مع هذه التنمية وما يساعدها على التحقق في الوقت نفسه, واتمنى ان يجد ملايين من المواطنين العرب اعمالا في بلدانهم, فأول معضلة تواجهها بلداننا في القرن هي معضلة البطالة مع تناقص الموارد وانعدام فرص العمل, وهذه لن تحلها سوى خطط تنمية فعلية, لا تنمية هوائية (أي في الهواء) كما عشناها نصف القرن الماضي. من بعد تحقيق نهضة تعليمية وتحقيق نسبة تشغيل عالية للعمالة ومواكبة للتنمية الحقيقية على نحو ما عرفتها مجتمعات سبقتنا اليها خلال القرن الماضي كمجتمعات شرق آسيا, فان الامنيات لا تكتمل من دون ديمقراطية تحفظ للمواطن العربي حقه في التعبير وابداء الرأي وحقه في المشاركة في اتخاذ قرارات وتشريعات وقوانين واختيار ممثليه وحكوماته, ذلك لأن هذا المواطن يستحق حياة كريمة عصرية لائقة شأنه شأن بقية دول العالم التي تتحول كلها تقريبا إلى الديمقراطية بما في ذلك دول في مجاهيل افريقيا وآسيا, والمواطن العربي ليس اقل مستوى من غيره, والا فان الاغنيات وليس الامنيات, هي ما سوف تظل تشغل بال هذا المواطن الذي يردد اليوم من المحيط إلى الخليج شعارا قوميا واحدا هو: عبدالقادر يا بوعلام ضاق الحال عليا, داوي حالي يا بوعلام سيدي روف عليا..