تقنية (النطاق العريض) ستحدث قفزة جديدة هائلة في عالم الاتصالات وشبكة الانترنت, وهي تنبىء بأن غرائب وابداعات القرن العشرين التي اصبحت جزءا من حياتنا اليومية تتحول سريعا إلى شيء اشبه بـ (ارث الماضي) مما يؤكد ان عالم القرن المقبل هو بالفعل عالم الابداع المستحيل الا في بيئة علمية متقدمة لا تنبت بدورها الا ضمن امكانيات مناسبة ماديا وبشريا. فمنذ سنوات والعالم كله يتحدث عن استحالة استقلالية, وحتى مجرد استمرار, الكيانات الصغيرة الضعيفة ومحدودة الامكانات, وقد ذهبت الابحاث العلمية في هذا الاتجاه إلى تقرير عدم امكانية استمرار اي دولة يقل عدد سكانها عن خمسين مليونا من البشر الفاعلين. والبشر الفاعلون المقصودون هم الذين يتمتعون بالحد الادنى من المعرفة والتعامل الايجابي مع تقنيات العصر وادواته, بحيث يمكنهم تشكيل بؤرة ابداع قادرة على التفاعل مع الآخرين على قدم المساواة وخارج اطار التبعية والهيمنة الخارجية. وهذه الحقيقة تتأكد كل يوم ومع كل اختراع جديد يقفز بالمتقدمين اميالا وسنوات طويلة إلى عصر جديد بعيدا عن عالم الركود الذي يعيشه كل اولئك الذين ارتضوا لانفسهم القعود في بيئات التخلف والضعف والاكتفاء باستهلاك فتات موائد العصر العلمية والمعرفية. والاختراع المذهل الجديد الذي تحدثت عنه (البيان) في صفحتها الاولى امس يثبت هذه الحقيقة, حيث تتحول (الانترنت) إلى (كتاب مفتوح) وحيث يندمج الكمبيوتر بالتلفزيون فيتمكن المرء من متابعة اي قضية أو خبر بكل التفاصيل المعرفية, وحيث ستتغير صورة التجارة والاقتصاد وانماط الحياة, وذلك كله سيتحقق خلال الاشهر القليلة المقبلة. فهل تتنبه بلاد الوطن العربي إلى حجم التحديات الهائل والمخاطر الكبرى للانعزال أو التخلف عن حركة العالم؟ وهل من مبادر إلى تغيير حالة التجزئة والتفكك والتخلف ام ان فينا من لا يخيفه مستقبل مثيل بـ مصير الهنود الحمر. الوقت لم يفت بعد, والامل مازال كبيرا لان الخير في هذه الامة سيبقى باذن الله إلى يوم القيامة, ولان فيها رجالا يبادرون وسيبادرون ولن يقبلوا بتسليمها للفناء أو العبودية .. فمن يحظى بشرف السبق؟