كثيراً ما وقفت على حيرة العديد من الزملاء من صفوة الاساتذة العرب, وهم يتساءلون عن اصل الشيشان وجذور المقاومة الشيشانية للغزو الروسي المتوحش واكتشفت ان بعض المثقفين العرب انقطعت صلاتهم المعرفية بهذه الشعوب المسلمة التي جعلتنا الاحداث الدموية الاخيرة نتعرف اليهم ونتطلع لتحديد هويتهم مثلما فعلنا مع الشعب البوسني ومع الشعب الكوسوفي بل ان اغلب العرب لم يسمع عن هذه الشعوب من قبل وهو دليل على ضرورة اعادة النظر في مناهج الدول العربية في التربية والتعليم والاعلام والثقافة حتى لا تحفر الخنادق بين العرب وبين أمة اسلامية مترامية الاطراف يجهل بعضها بعضاً. وكذلك بالنسبة للشيشان فقد بدأنا نعرف هذا الشعب منذ العام 1993 حين هجم الروس وسوى الكرملين مدنهم وقراهم بالأرض وتم الانتصار المبين للشعب الشيشاني لانه يقاوم محتلين لا تربطه بهم لا صلة دين ولا عرق ولا لغة ولا حضارة.. اللهم إلا استكبار وهيمنة وتعويض روسيا عن انهيار امبراطورية الالحاد والمافيا.. وقد هبت بعض اقلام العلماء العرب تبحث عن اصل قضية الشيشان وصدرت بعض الكتب القيمة منذ العام 93 ومنها كتاب متميز للدكتور السيد محمد يونس الذي نشرته رابطة العالم الاسلامي في سلسلتها دعوة الحق ـ عام 1994 ـ وهو يستعرض تاريخ نشر الدعوة الاسلامية في عهد الخليفة الثاني عمر بن الخطاب رضي الله عنه عام 18 هجري (639 ميلادي) حيث فتحت اذربيجان من بلاد القوقاز وبعد ترتيب امورها وتنظيم احوالها توجه الفتح الى ما وراءها من البلاد, فاستقبلت بلاد الشيشان الفاتحين حيث كان تعاني من الاستعمار البيزنطي الذي استعبدها واكل خيراتها ونهب ثرواتها وارهاب الكنيسة الارثوذكسية لشعبها لاخضاعه لمذهبها, وقام المسلمون ببناء الجوامع والمدارس وتصدر العلماء العرب للتدريس بل توزع العلماء الشيشانيون في بلاد الاسلام طلباً للعلم يقول عنها ياقوت الحموي في معجم البلدان:(الشاش اقليم ما وراء النهرين (جحون وسيحون) خرج منها خلق من العلماء والرواة والفصحاء أهلها شافعية ويرجع ذلك الى ابي بكر محمد بن اسماعيل التفال الشاشي الذي فارق وطنه وتفقه وعاد اليه ونشر به المذهب الشافعي..) . هذا وتداول الاحتلال الروسي القيصري ثم السوفييتي الشيوعي على تفريغ الشيشان من سكانها فأصبح عددهم في التسعينيات من هذا القرن لا يزيد على مليون ونصف المليون, واقام عدد في تركيا وعدد في الاردن وعدد في سوريا وعدد في داغستان, ونصب الروس عليهم في (جروزني) ادارة قيصرية عرقية ثم ادارة سوفييتية عنصرية. يقول د. السيد محمد يونس:(ولما أشرقت انوار الاسلام من مهد الاسلام مكة المكرمة انتشرت شرقاً وغرباً وتوجهت الفتوحات الى بلاد القوقاز في القرن الاول الهجري وتوالت الفتوحات في الدولتين الاموية والعباسية الى ان انتشر الاسلام في كل القوقاز, وصارت بلاد الشيشان منذ اواخر العصر الاموي ولاية تتبع الدولة الاسلامية وفي العصر العباسي كانت اهم ولاية لها حيث كانت الدولة الاسلامية تعتمد على فضة الشيشان في صناعة العملة, وعندما قامت الدولة العثمانية عملت على نشر الاسلام وحضارته في بلاد الشيشان وتوسعت في بناء المدارس والجوامع لتكون منارة..) . يقول المؤرخان ينجمن وكلكاجي في كتابهما:(المسلمون المنسيون في الاتحاد السوفييتي) , (عرف الشيشان بقوة تمسكهم بعقيدتهم والذود عن حماها وعانوا في ذلك الأمرين من الروس. من الاضطهاد الى القتل والتعذيب والتهجير والغريب ان اعداداً كبيرة من الروس الذين فرضتهم دولة موسكو على الشيشان اعتنقوا الاسلام وانضموا روحاً ووجداناً الى ابناء الشيشان واندمجوا في المجتمع ولم يعودوا الى مدنهم وقراهم. يقول د. السيد محمد يونس (شتان بين ما يفعله الروس الطغاة من تدمير المدن وقتل المدنيين الابرياء وبين ما يراعيه المسلمون في حروبهم..) . هذا عن نكبة سنة 93 و94 اما العدوان الحالي المقصود منه ابادة شعب الشيشان فأعظم هولاً وافجع ضحايا واكثر رعبا لقد حورب الاسلام في الشيشان فكان عدد المساجد المسموح بها عام 1980 سبعة فقط. ويمضي الكاتب المؤرخ يعدد افضل علماء الشيشان وائمتهم فيذكر تاريخ ابي بكر محمد بن علي بن اسماعيل الشيشاني ويذكره ياقوت الحموي وابن الخطيب, الاول في المعجم والثاني في الوفيات وهو صاحب كتاب اصول الفقه وكتاب محاسن الشريعة وكتاب شرح رسالة الشافعي وكتاب ادب القضاة كما يذكر المؤرخ الامام ابي بكر محمد بن احمد بن الحسين الشاشاني الملقب بفخر الاسلام ومن مؤلفاته كتابه حلية العلماء بمعرفة مذاهب الفقهاء وكتاب المعتمد وكتاب الشافي ومن العلماء كذلك الشيخ احمد بن عبدالله بن محمد الشاشاني الذي درس الفقه ببغداد وكذلك الشيخ ابو المحاسن بن يوسف الشاشاني الشاعر والراوية والشيخ الحافظ ابو سعيد الهيثم الشاشاني وعشرات وعشرات غير هؤلاء الاعلام. وهذه جولة صغيرة في بلاد الحضارة الاسلامية السمحاء التي تدك بدون رحمة ولاسباب واهية اهمها انتخابات الدوما في لعبة داخلية ودولية قذرة وقول ما يستحقه شعب مسلم له حضارة وله مجد وله علينا دين ولنا نحوه عرفان بالفضل.