ارتبط مفهوم الأممية لدى جيلنا بمعاني التحرر والتقدم, ومقاومة الاستعمار والعداء للامبريالية والتضامن بين الشعوب, وتقرير المصير, والمساواة, والانتصار لقضايا الحق وتقديم الدعم للشعوب التي تتعرض للعدوان. لكن الأممية في العصر الأمريكي, كالكثير من المفاهيم الأخرى أصبح لها مدلولات مختلفة , ومناقضة تماما لمعانيها الأولى, فهي اليوم, وان كانت تحمل مسميات أخرى, كالعولمة أو النظام الدولي الجديد أو التجارة الحرة, إلا انها لا تخرج عن معنى واحد هو الهيمنة الأمريكية, وبسط نفوذها على العالم, واخضاع شعوبه ونهب ثرواتها, وسلب إرادتها والمساواة بينها في توزيع الفقر والبطالة, ونشر الثقافة الاستهلاكية, وتعميق الفروق الاجتماعية, وإثارة الحروب الأهلية والنزاعات الاقليمية وتشجيع الطائفية والنزعات العرقية, وحتى الأمم المتحدة ومؤسساتها التي أقيمت من أجل خلق توازن دولي, وتمكين شعوب العالم ودوله الصغيرة من الشعور بالمساواة في اطار المنظمة الدولية, والاحتماء بها, أصبحت جزءا من المنظومة الأممية الأمريكية. ومن بين دول العالم وشعوبه يحظى العراق بمكانة خاصة في سلم الأممية الأمريكية الجديدة, تليق بتاريخه العريق, وحضارته التي أغنت التراث الحضاري الإنساني, ومكنت العرب يوما من حمل رسالتهم إلى رقعة كونية واسعة, كما تليق بتمرده (اللامشروع) على مفاهيم الأممية الجديدة. ولذلك تخصه الادارة الأمريكية بجزء كبير من جهودها وتمنحه وتمنح أطفاله عناية خاصة لا يحظى بها أي بلد آخر, وفي هذا السياق حرصت على اصدار قرار جديد في مجلس الأمن بإدامة الحصار عليه, وتمديد فسحة الموت أمام أطفاله, ليأخذوا وقتهم الكافي للموت دون عجلة, فالعجلة من الشيطان, ومنح أمهاتهم فرصة أكبر للبكاء والحزن والعذاب. وكان من الممكن ان ينظر المواطن العربي لهذا القرار كبقية القرارات التي سبقته, وربما تلحقه, فهو لم يكن يتوقع قرارا مغايراً, لكن الملفت في القرار الجديد انه أول قرار من القرارات العديدة المماثلة يتم بمشاركة عربية. ومن هنا يكبر الإثم ويعظم الحساب, وبخاصة حين نرى ماليزيا تمتنع عن المشاركة في القرار, ليس فقط لأسباب انسانية, أو تفهما لروح الإسلام ومعاني الأخوة التي يفرضها, وإنما تعبيراً عن سياسة مستقلة تحترم ارادة شعبها, وترفض الخضوع للهيمنة الأمريكية أو الانسياق الأعمى وراء سياستها المعادية للشعوب الصديقة. كان المأمول ان يشترك العرب كلهم أو بعضهم في حملة دولية مضادة تستبق القرار, وتطالب برفع الحصار, ولكنهم صمتوا حتى جاء القرار فساهموا به, ولم يحرك مشاعرهم شهر التوبة والتقرب إلى الله الذي نعيشه, ولا استطاعت كل معاني التسامح وتراحم ذوي القرى, ومجاهدة النفس والتطهر من ايذاء الناس التي أوصى بها الله وحمّلها لهذا الشهر الفضيل, ان تخفف من حصار شعب العراق. فقد تمثل رد الفعل العربي الرسمي سياسيا وإعلاميا في ثلاثة مستويات تفاوتت فقط في درجات تدنيها وتخاذلها. فالمستوى الأول: وجد في القرار فرصة جديدة للهجوم على العراق, وتحميله مسبقا مسئولية ما ينتج عن رفضه للقرار. والمستوى الثاني: أسمعنا رأيه المعتاد وطالب العراق بالاستجابة للقرار والتعامل معه, معبرا بذلك عن استسلامه اللامحدود واللامشروط للارادة الأمريكية. أما المستوى الثالث: فصمت صمت العاجز المغلوب على أمره, لكن أحدا منهم لم يتوجه ولو باللوم الرقيق, أو حتى العتاب للسياسة الأمريكية التي تحرجهم وتهينهم أمام شعوبهم, وضمائرهم أيضا. ولم تكن هذه المعاني الاسلامية النبيلة, وحدها من طغت عليه مفاهيم الأممية الأمريكية وأفسدتها في نفوس بعض العرب, فقد امتدت لمفاهيمهم القومية أيضا. كان دعاة القومية على خلاف دائم مع أصحاب الفكر الماركسي حول المفهوم الأممي للفكرة القومية ومعالجته لها, وقد حرص العرب بالذات على التمسك بمفاهيمهم القومية لما لها من خصوصية وتمايز, وارتباطها بتراثهم الروحي, وبلغ بهم تمسكهم بعقيدتهم القومية حد الاصطدام مع حلفائهم, دون ان يفرطوا بانتمائهم القومي, حين اختلف البعثيون والناصريون مع الحركة الشيوعية العربية حول موقفها من وحدة مصر وسوريا عام 1958, وحين توتر الجو بين عبدالناصر كقائد لحركة التحرر القومي العربية, والاتحاد السوفييتي حول نفس الموضوع أواخر الخمسينيات, وأوائل الستينيات, لكنهم في عصر الأممية الأمريكية, لم يعودوا يطرحون خلافاتهم معها, أو لا يجدونها, وذلك بعد ان استسلموا, أو استسلم أكثرهم لمفاهيم الأممية الجديدة, فقد تراجعت عندهم فكرة الوحدة والدعوة إليها, وحتى فكرة التضامن لا تجد لديهم الاهتمام اللازم, وتعززت بالمقابل النزعة القطرية والحرص عليها حتى لو قادتهم, كما هو حاصل , إلى التفريط بجزء من استقلالهم السياسي والاقتصادي, وأفرغ مضمون القومية من أي بعد تحرري, أو تكامل اقتصادي, وصارت النزاعات الحدودية الصغيرة والهامشية المدفوعة بالنزعة القطرية الداخلية الضيقة, أو بالأيدي الخارجية الخفية عنوانا يوميا في الحياة السياسية العربية. والأممية الجديدة تمتد لتطبع أو تطوع مختلف نواحي الحياة العربية السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية, وفق معايير وشروط نظامها الدولي الجديد, ومتطلباته. فنحن نلاحظ حجم الدور الأمريكي في صياغة سياسة الدول العربية تجاه اسرائيل, إذ لا تترك لهذه البلدان حرية اتخاذ القرار الذي ينسجم مع مصالحها الوطنية والقومية, أو ما ينسجم مع إرادة شعوبها, فالمبعوثون الأمريكيون الذين لا تنقطع زياراتهم للمنطقة, من وزيرة الخارجية إلى وزير الدفاع فوزير التجارة, إلى مارتن انديك وسندي بيرجر لا يترددون عن الافصاح علنا عما يجب على العرب ان يفعلوه من تطبيع علاقاتهم مع اسرائيل, وفتح أسواقهم أمامها, فهم يسوقون اسرائيل تماما للعرب, ويسوقون العرب إليها, ولنا في هذا المجال ان نذكر ان كل المؤتمرات الاقتصادية الدولية التي عقدت في المنطقة منذ عام ,94 وحتى المؤتمر الاخير عام ,98 كانت لهذا الغرض, ولم تتورع الادارة الامريكية عن معاتبة او معاقبة الدول التي قاطعت المؤتمرات. ولا يتوقف السعي الامريكي عند حدود ارغام الفلسطينيين ـ كما يجري الآن ـ والعرب على القبول بشروط التسوية الاسرائيلية, دون ان تسمح لهم بالحد الادنى من تنسيق مواقفهم, بل تمضي الى التخطيط لتحميل العرب نفقات عملية التسوية وتبعاتها, كما يتسرب الآن من أخبار, عن دور المال العربي في دفع تعويضات اللاجئين الفلسطينيين, وتوطينهم, وتشغيلهم, بل وربما امتد الامر الى تحميل العرب مسئولية تعويض المستوطنين اليهود, فيما لو اقتضت شروط التسوية رحيل بعضهم من الاراضي المحتلة. وتتدخل الادارة الامريكية حتى في سياسة البلدان العربية تجاه بعضها بعضا, ولا اقصد تجاه العراق فقط, فكلنا يذكر كيف ضغطت أمريكا على العرب من أجل الانسجام مع الموقف الامريكي تجاه ليبيا في مرحلة فرض الحصار الجوي عليها. وتدخلها الآن في المسألة الصحراوية بين المغرب والجزائر, وتعطيل الاستفتاء الذي اقرته الامم المتحدة لسكان الصحراء لتعطيل وحدة الاراضي المغربية, وفرض حكم ذاتي للسكان الصحراويين ككيان مزروع بين البلدين. كذلك تتحكم في سياسات الدول العربية تجاه دول الجوار الاقليمي كتركيا وايران, وتحول دون قيام علاقات عربية اقليمية تخدم المصالح القومية العربية, وانما تخضع للنفوذ الامريكي والتمدد الاسرائيلي في المنطقة. ولما كانت مصر هي مركز الثقل العربي, فان المحاولات الامريكية لتطويقها وعزلها, وسلبها دورها الريادي والقيادي في المنطقة لا تتوقف. فهي تسعى لحرمانها من هذا الدور الذي تملكه مصر بحكم وزنها وتاريخها ومكانتها العربية والافريقية والدولية. ويمكن الاشارة هنا الى الموقف الامريكي في مواجهة الدور المصري لحل ازمة لوكيربي, ومشكلة السودان, وتصحيح العلاقات المغربية الجزائرية لتسهيل حل مشكلة الصحراء, كما تمكن الاشارة للمحاولات الامريكية المستمرة لتقليص دور مصر في عملية التسوية الجارية, لاضعاف الموقف الفلسطيني والاطراف العربية الاخري مواجهة الهيمنة الاسرائيلية, وهو ما عبر عنه صراحة شيمون بيريز عام 95 في المؤتمر الاقتصادي الدولي بالدار البيضاء, حين دعا المشاركين العرب في المؤتمر الى منح اسرائيل فرصة قيادتهم بعد ان سلموا قيادتهم لمصر طيلة خمسين عاما ولم يجنوا غير الفشل, بل هي تمارس نوعا من التقديم والتأخير, او التكبير والتصغير في دور هذا البلد العربي او ذاك, موحية بأنها هي من يملك منح الادوار الاقليمية او منعها عن اي طرف, دون ان تضع في الاعتبار ان بلدا كمصر لا يتحدد دوره الاقليمي وفق ارادة خارجية, بل ان مكانتها الاقليمية ودورها التاريخي, هو الذي يفرض نفسه على أية ارادة خارجية, وهو الدور الذي تمتعت به مصر ومارسته في كل محطات التحول الاساسية في التاريخ العربي الحديث. وان هذا الدور كان دوما مرتبطا بالدفاع عن الحقوق والمصالح العربية, في وجه الابتزاز الذي مارسته القوى الاستعمارية ضد الامة العربية, كما تفعل الولايات المتحدة الآن, وعلى أساسه منحت الامة العربية وجماهيرها, طوعا, قيادتها لمصر كما بدا بوضوح في عقدي الخمسينيات والستينيات, فالدور الاقليمي لأي بلد له مواصفاته, من حيث المكانة التاريخية, والقدرة الذاتية, والتعبير عن الارادة الشعبية الواسعة في التحرر والبناء, ورفض الوصاية الاجنبية, وهي مواصفات يملكها العرب مجتمعين وتحت قيادة موحدة, تقوم على توفر الحد الادنى من التضامن والتكامل بينهم. وقد تكون الشرط الاساسي لخروجهم من مأزق الهيمنة الامريكية, او على الاقل فرض احترامهم عليها, لكن ذلك مرهون اولا بوعي العرب وايمانهم بقدراتهم, وبدورهم الاقليمي والدولي في عصر التكتلات الدولية, ومرهون ثانيا بقناعاتهم ان هذا الدور لا يأتيهم منحة خارجية, وانه لن يأتيهم الا اذا انتزعوه وفرضوه. ومرتبط ثالثا بالخروج من دائرة التسليم للقدر الامريكي. فهناك قدر واحد هو القدر الالهي, وما عدا ذلك هي اقدار تصنعها ارادات الشعوب. وحتي هذا البعبع الامريكي لم يكن صناعة امريكية فقط, وانما ساهم في صنعه الخائفون والمترددون والمستسلمون امامه, وحين ندعو العرب للخروج من هذا الواقع, لا نتجاهل الظروف والمعطيات الدولية, ولا نتجاهل حجم الدور الامريكي وثقله وطول اذرعته, فكل دول العالم, وتجمعاته الاقليمية تحسب حسابه, ولكنها تحاول على الاقل المواءمة بين مصالحها الوطنية, والخضوع لشروطه, دون ان تتوقف عن محاولاتها الخروج من طوقه, وهو ما ندعو العرب ان يفعلوه. فقد يجلب لهم ذلك قدرا من الاحترام الدولي, اكبر مما تتمتع به سياساتهم الراهنة, وقد تضطر الادارة الامريكية ذاتها لاعادة النظر في سياساتها تجاههم. فهل نطمح لموقف الحد الادنى هذا؟ وهل نتطلع لمصر للقيام بدورها الطبيعي هذا؟ سؤال نرفعه على أبواب القرن الحادي والعشرين.