نشرت اول مقال لي في الصحف العامة عام 1957 في صحيفة (الشعب) التي اسسها المرحوم صلاح سالم عضو مجلس قيادة ثورة يوليو والتي لم تعش سوى سنوات قليلة, وكانت المناسبة استفتاء اجرته بين قرائها حول صفات المرشح الذي سيعطونه اصواتهم في اول انتخابات برلمانية تجرى بعد الثورة وكان مما قلته , انني سوف اعطى صوتي للمرأة المرشحة لكي ادعم حق المرأة في ان تكون نائبة في البرلمان وهو الحق الذي كان يمارس لاول مرة في تلك الانتخابات. وكانت مفاجأة كاملة, حين عدت الى قريتي في اجازة صيف العام نفسه, فوجدت مع امي بطاقة انتخابية ليس فقط لان ادراج اسماء النساء في جداول الانتخابات كان اختياريا ولا يتم إلا بناء على طلب يتقدمن به بعكس الرجال الذين كانوا يقيدون تلقائيا متى بلغوا الثامنة عشرة, ولكن كذلك لان امي لم يكن لديها اي معرفة بأي شيء خارج جدران بيتها وكانت كل معارفها السياسية تقتصر على ذكريات باهتة عن ثورة سعد باشا زغلول التي شهدت فصولا منها في طفولتها. وعندما عرفت السبب بطل العجب اذ كان مجلس ادارة العائلة قد كلف منذ شهور احد ابناء عمومتي, بأن يخوض الانتخابات واستعدادا لذلك اصدر امرا لجميع نساء العائلة بأن يقيدن اسماءهن في جداول الانتخابات, ورفع شعار (اعيدوا مجد آل عيسى) ! وبعد عدة سنوات اعطتني امي كومة من الاوراق كانت تحتفظ بها لكي ابحث لها من بينها عن ورقة تريدها فعثرت فيها على بطاقة تفيد بأنها عضو عامل بالاتحاد الاشتراكي العربي وقد لصق على ظهرها طوابع تدل على ان صاحبتها تسدد بانتظام اشتراك العضوية الشهري وهو قرشان وعندما سألتها اكتشفت انها لا تعرف شيئا عن هذا الاتحاد وان قضية سيدنا الواعظ, الذي توفده الحكومة مرة كل شهر من عاصمة المحافظة لكي يعظ نساء قريتنا في المسجد الكبير, طلب اليهن ذات مرة, ان تتبرع كل منهن بقرشين صاغ شهريا في سبيل الله, وكتب اسماءهن في ورقة, ثم اعطى كل واحدة منهن, البطاقة التي عثرت عليها, كانت تسميتها (ورقة سيدنا الواعظ(, وانه ظل يحصل منهن الاشتراك كل شهر ويلصق على ظهر الورقة طوابع تدل على ذلك. وفيما بعد عرفت السبب, فعندما شرع الرئيس عبدالناصر في تاسيس هذا الاتحاد الاشتراكي, اعلن في خطبة شهيرة له, انه لن يكرر الخطأ الذي وقع فيه عند تأسيس التنظيم السابق له, وهو الاتحاد القومي, الذي فتح ابوابه للجميع, فسيطر عليه الرجعيون والانتهازيون والسلبيون وكانت النتيجة ذلك الفراغ السياسي الذي انتهى بوقوع (نكسة الانفصال وتفكيك الوحدة المصرية السورية, وانه سيقوم بجولة يزور فيها كل القرى والمحافظات لكي يلتقي بنفسه بكل الذين يتقدمون بطلبات للانضمام الى التنظيم الجديد, ويناقشهم ويختار من بينهم الكادر الثوري الطليعي الذي يستحق عضوية التنظيم الممثل لتحالف قوى الشعب العاملة. وما كادت اجراءات تسجيل العضوية تبدأ, حتى تنافس المحافظون والعمد والمشايخ ورجال الادارة, فيما بينهم لكي يثبتوا للرئيس مدى اخلاصهم للثورة ويضمنوا بالاضافة الى ذلك, البقاء في كراسيهم بحشد اكبر عدد في عضوية الاتحاد, وكانت النتيجة ان ارتفع عدد الاعضاء الى اكثر من خمسة ملايين, وعدل عبدالناصر عن فكرة اللقاء بهم. لاستحالتها وفاز محافظنا بالمرتبة الاولى في عدد الذين حشدهم لعضوية الاتحاد وباكبر عدد من النساء ينضممن اليه, بفضل هذه الحيلة البيروقراطية الماكرة, التي انتهت بأن اصبحت خالتك (الحاجة مفيدة) وهو اسم المرحومة امي عضوا بالاتحاد الاشتراكي وكنت اداعبها كلما ضبطتها متلبسة بالترويج لافكار رجعية مخالفة لخط التنظيم قائلا: (عيب كدة ياحاجة دانتي كادر وطليعة وكانت ترد علي طليعة ايه ياموكوس انت وهو!) بعد عامين وقعت نكسة 1967 واقصي الموكوس الذي هو محافظنا عن منصبه وكف سيدنا الواعظ عن مطالبته امي بدفع الاشتراكات في سبيل الله. ومع ان الحاجة مفيدة ظلت لسنوات طويلة بعد ذلك كادرا وطليعة ثورية ومعها تذكرة انتخابات وورقة سيدنا الواعظ, الا انها لم تشترك في اية انتخابات بدليل انني لم اجد اسمها في الدراسات التفصيلية والاكاديمية التي تصدر لتحليل الانتخابات العامة, بل ولم اجد اي ارقام تحدد عدد النساء المقيدات بجداول الانتخابات العامة, وعدد اللواتي يشاركن منهن في هذه الانتخابات او تحدد نسبتهن المئوية الى مجموع الذين يدلون باصواتهم ليس فقط لان الذين يصدرون هذه الارقام يتعمدون التلاعب فيها ولكن كذلك لان الذين يعدون هذه الدراسات يعلمون علم اليقين, بان كل الارقام التي يحللونها ليست حقيقية, وان عشرات الالاف من المقيدين في جداول الانتخابات من الموتى والمهاجرين وعشرات الالاف ممن يدلون باصواتهم فيها يشاركون فيها بطريقة ورقة سيدنا الواعظ . وبعد اربعين عاما شهدت خلالها انتخابات كثيرة تاكد لي باسى بالغ ان منح المرأة حقوقها السياسية الذي كان احد مطالب جيلنا واحد احلامه بوطن متقدم ومتحرر وانساني قد تحول في التطبيق الى وسيلة مضمونة لتزوير الانتخابات العامة, فالنساء لاسباب كثيرة لايذهبن الى لجان الانتخابات فاذا ذهبن لايطالبهن احد باثبات شخصيتهن لان القانون لايلزمهن بحمل بطاقة اثبات شخصية طالما انهن لايعملن وفي الحالتين يسهل تسديد اصواتهن لصالح مرشح الحكومة, الذي هو عادة كادر وطليعة ثورية او رجعية حسب الاحوال. والمسئولية عن ذلك لاتقع على عاتق النساء, ولا على عاتق الرجال, بل تقع على عاتق النظام السياسي الذي يستحل كل شيء لكي يحكم الشعب دون ارادته, والذي ابتدع اشكالا من الديمقراطية الوهمية, لمجرد ان يتفاخر بها امام العالم, ويتظاهر بأنه عصري وحديث ولم لا؟ ألم يبصم على الاعلان العالمي لحقوق الانسان وعلى كل العهود والمواثيق الدولية التي صدرت تطبيقا له ولديه فضلا عن هذا دستور واحزاب وبرلمانات ومبايعات مع ان الجميع يعرفون انها اسماء بلا مسميات ومؤسسات بلا سلطات وانه يحكمنا بعقد إذعان يعطي له كل الحقوق شيئا. واخر النماذج على ذلك, هو مشروع قانون تيسير اجراءات التقاضي, في مسائل الاحوال الشخصية التي تثور المناقشات حوله هذه الايام, فقد استغرق اعداده تسع سنوات, نوقشت خلالها مسوداته عشرات المرات, في عشرات اللجان التي اشترك فيها عشرات من رجال الفقه الاسلامي وانطلق التفكير في اعداده من واقع مرير, يقول انه هناك 320 الف قضية طلاق وحضانة اطفال ونفقة شرعية تعرض على المحاكم كل عام وتعجز عن البت فيها ليس فقط بسبب نقص عدد القضاة, ولكن كذلك بسبب المكائد القانونية والقضائية التي يلجأ اليها كل من الزوجين لكي يغيظ الطرف الاخر, ويثأر منه فإذا رفعت الزوجة قضية تطلب فيها التطليق للضرر, رفع الزوج قضية يطلبها فيها للطاعة, واذا اقامت قضية تطلب فيها نفقة للاولاد, رد عليها بقضية يطلب فيها ضمهم اليه لانها سيئة السير والسلوك! ولم يكن هناك مفر من تدخل تشريعي يواجه ظاهرة عجز المحاكم عن البت في هذا العدد الكبير من القضايا الذي اخذ يتراكم عاما بعد اخر ويلتهم اعمار ملايين الرجال والنساء في مكائد لا اول لها ولا آخر تصيب ملايين الاطفال بعقد نفسية ولاشفاء منها ويتخلف عنها ملايين من الفاشلين او المحبطين او المجرمين, فضلا عن اضافته التغييرات الاجتماعية السريعة الى هذه العلاقة من تعقيدات برزت معها ظواهر تتطلب المواجهة او التنظيم مثل الزواج العرفي وخروج المرأة للعمل, الذي لم تعد الاسرة تستغني عنه, واضطرارها الى السفر, بما يضمن علاقة زوجية متوازنة تقوم على اساس الحق والواجب والالتزام المتبادل, وعلى المساواة الكاملة, فللنساء مثل الذي عليهن بالمعروف, كمايقول القرآن الكريم, وهن كمايقول الحديث النبوي شقائق الرجال, فاما امساك بمعروف كما يقول القرآن, او تسريح باحسان. وليست هذه المشاكل جميعها غائبة عن الوعي العام, فالذين لم يتعرضوا لها من الاسر المستقرة, سمعوا بها من اصدقائهم وجيرانهم ثم انها اصبحت مثار شكوى عامة, تطرح نفسها على صفحات الصحف, وفي اسئلة الذين يستفتون رجال الدين في البرامج التلفزيونية. وفي ندوات عامة ودراسات اجتماعية, كما طرحت نفسها على الدراما التلفزيونية والسينمائية, كان من ابرزها فيلم (اريد حلا) الذي قامت ببطولته (فاتن حمامة) منذ حوالي عشرين عاما, ولقي نجاحا مذهلا, كشف عن تعاطف الناس مع هذا النموذج من النساء التعيسات اللواتي تضيع اعمارهن في ردهات المحاكم, لأنهن ضحية رجال يفتقدون لابسط شروط الرجولة, ويصرون على ان يمسكوا نساءهم بلا معروف, والا يسرحوهن دون اذى, ويرفعون مع ذلك عقيرتهم بادعاء الدفاع عن الاسلام, الذي اوصى رسوله صلى الله عليه وسلم, حتى بالحيوانات الضالة, وحذر اتباعه من مصير المرأة التي دخلت النار في قطة حبستها واجاعتها, فلا هي اطعمتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الارض. وهكذا جاء مشروع تيسير اجراءات التقاضي في قضايا الاحوال الشخصية ليختصر الاجراءات ويضبط مواعيدها ويعطي للنيابة العامة, حق تقدير دخل الزوج ضمانا لحصول الزوجة المطلقة واولاده منها على النفقة الشرعية دون مماطلة او كيد, ويجمع قضايا الاسرة الواحدة امام قاض واحد, للحيلولة دون شحططة المتقاضين امام المحاكم, وليضمن توثيق الطلاق حتى لا يمارسه الرجل غيابيا ثم يستحل لنفسه معاشرة مطلقته على سبيل النذالة التي لم تعد غريبة في هذا الزمان النذل, وليضمن للزوجة التي اضطرتها الحاجة الى الستر لأن تتزوج زواجا عرفيا غير موثق ان تحصل على الطلاق اذا كان هذا الزواج مستكملا لشروطه الشرعية, او تفسخه اذا كان ينقص احد هذه الشروط, حتى لا تظل ـ كالقطة ـ محبوسة على ذمة رجل استغل ظروفها, وتركها وهرب, فلا هو اطعمها, ولا هو اطلقها لكي تأكل ـ او تتزوج ـ من خشاش الارض! وكان مما نظمه القانون حق الزوج في الاذن لزوجته بالسفر, وحقها في منعه من السفر, اذا تعنت في استخدامه بما يضر بها, أو خشيت ان يكون سفره هجرا, او اضرارا بمصالح الاسرة, على ان يكون القضاء هو الفيصل بينهما في هذه الحالة, وكذلك حق الزوجة ـ المقرر لها بمقتضى نص صريح في القرآن وسنة صحيحة ـ في ان تخالع زوجها, اي ان تطلق منه, مقابل ان ترد له المهر الذي دفعه, وتتنازل عن مؤخر الصداق, وتقر امام القاضي بأنها تخشى ان ترعى حقوق الله معه, فيطلقها منه, فتستريح.. وتريح!. ومع ان معظم فقهاء المسلمين, بما في ذلك المنتمين منهم الى تيار الاسلام السياسي قد اقروا المشروع واعتبروه اصلاحا مطلوبا وضروريا, وانه يسد الفجوة بين نصوص الشريعة وفي اطارها وبين الواقع الذي تراكمت مشاكله, ومع ان مجمع البحوث الاسلامية قد راجعه ودقق نصوصه واقره في جلسة رأسها فضيلة شيخ الازهر, الا ان صيحات التحريض ضد القانون قد ارتفعت, ليس من بين صفوف نواب المعارضة في مجلس الشعب, التي اعلنت انها سوف تؤيد القانون, او من بين المنتمين الى التيارات الاسلامية المتشددة, ولكنها صدرت عن نواب في الحزب الوطني الحاكم اثناء نظر المشروع في لجان مجلسي الشعب والشورى, وهي معارضة ينتظر ان يتصاعد صوتها عند نظر القانون في الجلسات العامة للمجلسين خلال الاسابيع المقبلة! ونظرة واحدة للحجج التي يثيرها المعارضون تؤكد انها لا صلة لها بالشريعة فالزعم بأن منح الزوجة التي تزوجت عرفيا حق الطلاق بحكم من القاضي, يضفي المشروعية على زواج باطل ويشجع على استشراء الظاهرة, مردود عليه بأن النص صريح في ان الطلاق يلحق بالزواج الشرعي الذي يستكمل اركانه, اما الزواج العرفي الباطل الذي شاع بين طلاب وطالبات الجامعات فان القانون ينص على فسخه, ثم ان بطلان الزواج لا يحول دون التعرض للاضرار التي تلحق باحد طرفيه, او النتائج التي تسفر عنه.. والادعاء بأن الطلاق حق مطلق للرجل لا يجوز للقاضي ان يتدخل فيه او ان ينظمه, يتناقض مع تسليمهم بحق القاضي في ان يوقعه للضرر, والقول بأن حق الرجل في الاذن لزوجته بالسفر او حتى بالخروج من منزلها, حق مطلق يتجاهل ان هناك رجالا يمنعون زوجاتهم من زيارة اسرهن, ومن التداوي عند الطبيب ومن السفر للعلاج, فماذا نفعل اذا منع زوج السيدة الوزيرة, صاحبة المعالي زوجته من حضور جلسات مجلس الوزراء.. اما المهم, فهو انه ليس هناك في الشريعة حق مطلق, ولابد ان تمارس الحقوق بالعدل والانصاف, اما اذا مورست على سبيل الكيد والظلم فهي ليست حقوقا شرعية, ولامفر من ان يلجأ المتضرر الى القضاء. اما لماذا يعارض نواب الحزب الحاكم مشروع قانون عادل اعدته حكومتهم مع انهم لم يتورعوا عن تأييد كل القوانين الظالمة التي ارسلتها اليهم, من قانون الطوارئ الى قانون تقييد حرية الصحافة, فلأن بعض النواب حصل على عضوية الحزب الحاكم بموجب ورقة سيدنا الواعظ التي حصلت بمقتضاها الحاجة مفيدة على عضوية الاتحاد الاشتراكي فلاهم يعرفون له سياسة, ولا هو يعرف لنفسه سياسة, ولأن معظمهم يتخوفون من ان يثير القانون الرجال, وخاصة الفتوات الذي يعتمدون عادة عليهم في الهجوم على صناديق الانتخابات, وتسديد اصوات الناخبين الغائبين وخاصة النساء لصالحهم وبذلك يحصلون على ورقة سيدنا الواعظ التي تجعلهم اعضاء في مجلس الشعب. ولو ان النساء المقيدات في جداول الانتخابات العامة اعلن منذ الان انهن لن يمنحن اصواتهم لكل نائب يعارض القانون, لكف النواب عن التمحك في الشريعة حرصا على اصوات الفتوات, ولتوقفوا عن التشكيك في شرعية حق المرأة في المخالعة مع انه المعادل لحق الرجل في الطلاق.. فكما ان من حقه ان يصيح في وجهها, بطريقة (يوسف وهبي) . روحي وانت طالقه بعدد شعر راسك.. بعدد الرمال اللي في الصحرا.. بعدد القبور اللي انفتحت من عهد آدم للنهاردة. فمن حقها ان تصرخ في وجهه. روح وانت مخلوع.. بعدد حبات الرز اللي طفحتها لك.. بعدد البراغيت اللي لقيتها في هدومك, بعدد الاموات اللي صوتوا لك في الانتخابات. ورحم الله الحاجة مفيدة, التي لو كانت على قيد الحياة اليوم, لبحثت عن ورقة سيدنا الواعظ, وقادت مظاهرة نسائية تحيط بمجلس الشعب يوم البدء في نظر القانون, وهي تهتف: يا القانون (يا الخلع) ! يا نواب آخر زمن!