بما انه كان لنا شرف الكتابة في قرنين, ما أعده حظا سعيدا, تمناه كثيرون غيرنا, لم يكتب لهم العيش في القرن الجديد, فولدوا وماتوا في قرن واحد, فأواصل اليوم الخواطر الشخصية حول قرننا القديم والقرن الجديد, واستكمل عن القرن العربي, الذي قلنا امس ان كأسه لم تكن فارغة, فنظرنا إلى نصف الكأس المليان . هذا النصف فيه منجزات وطنية سياسية وفكرية وادبية وفنية يعتد بها على نحو ما ذكرنا امس, فهناك دول قامت وتطورت ونقلت مواطنيها من حياة فقر وتخلف إلى حياة عصرية ووفرت لهم من اسباب العصر الكثير, علوم وصحة وطبابة ومواصلات وغير ذلك, ابرزها اليوم دول الخليج العربية, من التي عرفت كيف تستغل عائدات النفط وتستخدمه الاستخدام الامثل, مقابل دول اخرى نفطية لم يزدها النفط إلا وبالا على وبال انظمتها التي تسببت في نكباتها, واحدة اثر اخرى. ولن نذكر دولا فهي معروفة, اما بتقدمها وتطورها واما بنكباتها وخيباتها, ونبقى مع نصف الكأس المليان, ففيه علاوة على نشوء دول وطنية, منجزات فكرية وفنية وادبية, تتمثل في مئات وعشرات من المنتجات التي ابدعها كتاب ورسامون وفنانون ومفكرون, على شكل روايات ودواوين شعر وقصص وكتب نقدية ودراسات تاريخية وفكرية وفلسفية ولوحات وموسيقى ومنحوتات وغيرها, من التي تشكل فعلا ثروتنا الوطنية والقومية تراكمت عبر السنين, اتمنى لو يشملها مشروع قومي فيصدر فيها مرجع واحد كبير, تتبناه مثلا جامعة الدول العربية أو مركز من مراكز الدراسات القليلة في وطننا العربي. وهكذا فانه ليس صحيحا على الاطلاق انه لا يوجد اسهام عربي في القرن, واذا صح ذلك في حقول العلم والتكنولوجيا والمخترعات والاجهزة حيث لا نملك منها سوى دستة اصفار, فاننا نملك بالمقابل الف دستة ودستة من الابتكارات الفنية والادبية والثقافية وحتى السياسية, نسبة لشخصيات وطنية نادرة في حقل السياسة, لولا ان الاهمال العربي لثروتنا هذه هو للاسف الذي غيبها سابقا ويغيبها اليوم وربما غدا, فيحل محلها بالتدريج في ذاكرتنا وذاكرة شبابنا شخصيات بديلة, غربية على الاغلب, نظرا لتفوق الاعلام الغربي المروج لمثل هذه الشخصيات, من ادباء كارنست همنجواي إلى فنانين كإلفيس بريسلي. طبعا نستطيع ان نفخر بطه حسين وزكي نجيب محمود ومحمد عابد الجابري وسلامة موسى وقاسم امين ورفاعة الطهطاوي ومعروف الرصافي وبدر شاكر السياب وعمر ابوريشة والاخطل الصغير ومحمود سامي البارودي وعبدالله البردوني ومحمد الفيتوري ونجيب محفوظ والطيب صالح ويوسف إدريس وسعيد عقل وسيد درويش ويوسف وهبي وزكريا أحمد وعبدالحليم حافظ ومئات على قوائم مبدعينا في حقول الفكر والثقافة والادب والفن من مشرق الوطن إلى مغربه, فلا نقول ان حظنا من القرن لم يكن سوى صفر اليدين. ما الذي حققناه أو تحقق خلال القرن ايضا خارج العلوم والاقتصاد والتطور كالذي يعيشه العالم من حولنا, وحظنا منه صفر فعلا؟ اضافة إلى المنجزات الوطنية في الاستقلال والمنجزات الثقافية, هناك النفط الذي تم اكتشافه عندنا خلال هذا القرن فشكل قوة اقتصادية عربية اجدنا استخدامها إلى حد ما, ليس في حدود الطموح حتما, ونخسره الان مع القرن الجديد نسبة لضياع اهميته الاستراتيجية, ومع ذلك سوف يستمر النفط سلعة المستقبل الاهم, فيمكننا ان نستفيد من دروسه السابقة فنستخدم عائداته في تطوير مجتمعاتنا نحو العلوم والصناعة, بعد اهمالنا لهذين الحقلين اهمالا غير مبرر. ثم هناك زيادة كبيرة في عدد السكان اعده من منجزاتنا خلال القرن, فقد بدأ القرن والعرب في حدود 30 إلى 40 مليونا وهم اليوم في نهاية القرن يفوقون 250 مليونا, يشكلون قوة بشرية وقوة عمل لا يستهان بها, يمكن ان يدخل بها العرب قرنهم الجديد, شرط أن تحظى هذه القوة بالرعاية والعناية والكرامة, والا فانها قنبلتهم الموقوتة إلى القرن, تتفجر عنها عشرات من المشكلات والكوارث, ليست المجاعة والانتفاضات سوى طرفي فتيل.