استقالة أو (إقالة) الرئيس الروسي السابق بوريس يلتسين, حدث مفاجىء وكبير, ولأنه كذلك سيحتاج بعض الوقت لجلاء غوامضه ورصد آثاره بعيدة المدى في روسيا والعالم لكن مسارعة خلفه ورئيس وزرائه الى تكريم قادة الجيش قبل ان ينطلق الى الشيشان يرجح ان يلتسين اراد ان يلعب لعبة الجيش في مواجهة السياسيين الا ان الجيش الروسي ابتلعه وقرر استلام السلطة ولو بطريقة غير مباشرة . فقد كان من المعروف ان يلتسين حكم طوال سنواته الثماني بعقلية (الزعيم البهلوان) الذي لا يشغله شيء الا التربع على كرسي الرئاسة وتحقيق المكاسب له ولمحاسيبه ولو على حساب بلد كان قوة عظمى فحوله الى تابع لواشنطن, او على حساب دماء الشيشانيين والجنود الروس المهدورة بسخاء!!, او على حساب عملية الحرق المتواصلة لأبرز الكوادر السياسية الروسية. فبعد ان دمر الاتحاد السوفييتي ثم روسيا نفسها, سياسياً واقتصادياً واجتماعياً, ووجد ان الشعب الروسي ونخبه مصممون على تكتيل كل الطاقات لازاحته, مما بدا واضحاً في صدامه المتواصل مع (ممثلي الأمة) في جميع المجالس النيابية. ولذلك سعى الى حرف الانظار خلال الفترة من عام 1994 ـ 1996 عن مشكلات روسيا الى حرب الشيشان وزج بجيش انهكته السياسات الخاطئة ليلقى هزيمة منكرة في جروزني كلفته عشرات آلاف القتلى وسارع يلتسين لانقاذ الموقف مضطراً الى التسليم للشيشانيين بشبه دولة مستقلة. خلال السنوات التالية حاول يلتسين انشاء تكتل يسنده ممن سرقوا روسيا وأكلوا اقتصادها وقادوها الى الهزائم المتوالية, وبالاستناد الى هذا التكتل عمل على (القفز على الحبال) في المجال السياسي فأحرق عدة رؤساء وزراء (وخلفاء محتملين) واستطاع ان يناور حتى على بريماكوف والشيوعيين, وحين انكشفت وسقطت كل أوراقه السياسية عاد الى اللعب على الجيش ومعه. والمدخل الى اللعبة الخطرة كان اعادة تسعير الحرب الشيشانية المهلكة التي عنت اهدار مصداقية بلده حين ابتلع تواقيعه مع الشيشانيين وعمل على تسخير كل قوة روسيا لتدمير ما تعتبره (جزءاً من الوطن) تسعى لاعادته لبيت الطاعة.!! وكان ان انطلق الجيش من القمقم مستخدماً أقصى درجات العنف في الشيشان ومبتلعاً في طريقه (الكرملين) نفسه, ولعبها (بوتين) من ناحيته باحتراف ابن الـ (كي.جي.بي) فكان أداة الجيش في إزالة يلتسين, ولتأمين انتقال سلس للسلطة قدم لهذا الاخير ما يبحث عنه وهو (الضمانة القانونية) ضد محاكمته على كل اخطائه وانحرافاته, فكانت (النقلة) التي رحب بها الجميع في الداخل والخارج كحل لكل المآزق التي نسجها يلتسين. لكن المؤكد ان الصراع لم ينته في روسيا وثمة متغيرات مهمة ستكون لها آثار بعيدة المدى على الروس والعالم.