كل حدث كبير في التاريخ يترك في العادة اثارا متفاوتة, ليس فحسب على البشر المعاصرين له, وانما يطال ايضا الاجيال اللاحقة. واذا كان التأثير المباشر للحدث يكون في الجانب الحسي والمعاشي فإن ميدان تأثيره يمتد كذلك الى الافكار والعادات الفكرية بمرور الوقت وتتالي الايام . ونحن عشنا في نهاية هذا القرن, حدثا لا يمكن إلا ان يوصف بالكبير ونقصد به سقوط الاتحاد السوفييتي السابق, وفي الوقت نفسه لمسنا آثاره المباشرة على الروس وعلى سواهم من البشر, في الميادين المختلفة السياسية والاقتصادية والاجتماعية وكذلك الثقافية. لكن الاثار غير المباشرة تظل تتفاعل على هيئة تبدلات ومراجعات وانزياحات كثيرة في الافكار والتصورات حول مختلف القضايا بما في ذلك النظر الى الحياة والاشياء. لا نتفق مع الرأي القائل بأن الاتحاد السوفييتي السابق كان مملكة شر او انه كان مجرد مأساة وكارثة على شعوبه وعلى الآخرين. الواقع ان لهذه الدولة ايجابيات كثيرة, وفي اكثر من ميدان ومجال ربما من ابرزها الدفعة الهائلة التي اعطتها لعملية تحرر دول العالم الثالث من الاستعمار وحالة التوازن الايجابي التي احدثتها مع العالم الغربي, عدا ان الاتحاد السوفييتي السابق اقام دولة عظمى مكنت الروس والشعوب الاخرى المنضوية تحت لوائه من بناء حضارة مادية كبيرة. لكننا في الوقت نفسه لا يجب ان نبالغ في هذا الجانب ايضا فهناك في المقابل سلبيات ربما كان اهمها تعليب وتقييد عقل وارادة ملايين البشر, على امتداد الكرة الارضية. وفي العقود الاخيرة من وجوده لم يكن ثمة فكر او مبادرات خلاقة وانما مجرد تكرار واعادة ونقل للافكار القديمة وتقديس للنصوص بالاضافة الى تآكل داخلي رهيب على كل المستويات وكان هذا بداية النهاية لذلك البناء ولتلك الدولة, فتهاوت في وقت وجيز هو اقصر مما تصوره خيال اي من البشر المعاصرين. غير ان هذا هو امر ملازم على اية حال للدولة الشمولية القائمة على الايديولوجيا والعقائد, فهي تبدأ قوية تنشر الايديولوجيا وتستفيد منها لكن سرعان ما تصبح اسيرة لها وتصبح هذه الاخيرة عائقا في وجه تطور الدولة وتقدمها. ان الموازنة بين الايجابيات والسلبيات هي التي تعطينا في العادة الصورة الواقعية لاي حدث وتقربنا من حقيقته بعيدا عن المبالغات من كل جانب. وفي عالمنا العربي والاسلامي ربما كان النموذج الابرز هو الدولة العباسية فرغم ما انتهت اليه هذه الدولة من تجميد لحركة التطور الفكري والثقافي والانساني, وما اورثتنا اياه من اساليب النقل والحفظ والتلقين والتي لا يزال الكثيرون منا حتى الآن واقعون تحت تأثيرها. غير انه لا حد يستطيع ان يزعم بأن الدولة العباسية كانت خلوا من الايجابيات ففي عقودها الاولى عصر المأمون مثلا, شهدت الحضارة العربية والاسلامية اوج ازدهار لها, واستفادات البشرية كلها من هذا الازدهار وليس فقط العرب او المسلمون. ويمكن ان يقال الشيء نفسه عن الدولة العثمانية, التي وصلت جيوشها الى حدود فيينا غير انها انتهت الى تقييد حركة الشعوب العربية, سياسيا وفكريا واجتماعيا بل الى تقييد حركة الشعب التركي نفسه الذي قرر وضع حد لها في عام 1922. ما ينبغي ان نلاحظه هنا هو ان التاريخ (اذا جاز القول) عبارة عن حشد من الايجابيات وحشد من السلبيات من المحاسن والمساوىء وكل محاولة لقراءة التاريخ من زاوية واحدة لابد ان تخرجنا من مجال العلم والمعرفة, وتدخلنا في مجال الايديولوجيا والدعاية والاهواء. نعود الآن الى الآثار التي يخلفها سقوط الدول الشمولية القائمة على الايديولوجيا. ان اهم اثر يمكن تتبعه هو تراجع الاعتقاد في الافكار والحقائق المطلقة وانتشار مفهوم النسبية. من المعروف ان الايديولوجيات والعقائد عموما تقوم على اساس الاعتقاد الراسخ بأنها تملك وحدها الحقيقة المطلقة وانها لذلك احق بالاتباع والاعتقاد من سواها, اما الذين لا يشاطرونها هذا الرأي فهم في ضلال وانحراف مبين. ومادام ان الحق بالنسبة اليها واضح كل الوضوح, وكذلك الباطل ايضا, فان الانسان لابد ان يختار الحق, الذي تمثله, والا فانه يختار طوعا الباطل, وفي امكانه اختيار بديله. ومن كان هذا شأنه فهو اما منافق او مكابر عن سبق اصرار. ونحن لا ننكر وجود الحقيقة المطلقة, او امكانية ادراكها. ولكننا نعتقد ان هذا الامر ليس منوطا بشخص واحد (او جماعة بشرية واحدة) في زمن معين. الواقع ان الحقيقة المطلقة يمكن الوصول اليها عبر جهود جميع البشر وعلى مدى التاريخ الانساني كله. انها بمعنى اخر نتاج التراكمات الانسانية في جميع المجالات وفي اطار سيرورة الحياة البشرية. فكل نظرية او فلسفة او عقيدة, تقدم جزءا من هذه الحقيقة المطلقة (وهذا الجزء هو الحقيقة النسبية) وهي تتعرض بمرور الوقت الى التغيير او التطوير (جزئيا أو كليا), بالاضافة والاستبعاد. اي اضافة الجديد الذي ثبت صحته واستبعاد القديم الذي ثبت خطؤه. فالنظرية, أية نظرية, لا تكون صحيحة كليا أو خاطئة كليا. انها صحيحة بمقياس الزمن الذي وجدت فيه, او السياق التاريخي الذي تم فيه التوصل اليها. لكنها قد تصبح خاطئة, كثيرا او قليلا, في الزمن الذي يليه, وفي العلوم الطبيعية امثلة كثيرة على ذلك. اما مشكلة الايديولوجيا فهي انها لا تعترف بهذا كله. هي تعترف بأن تصوراتها ومنطلقاتها الفكرية, تمثل الحقيقة المطلقة بذاتها, وما على الآخرين سوى ان يتبعوها ويقتدوا اثارها, والا فانهم جاهلون او حاقدون او معادون. ولهذا فان سقوط الايديولوجية كان لابد ان يحرر الفكر الانساني من سطوة الجمود والاحادية والمطلقات. انه لا يستطيع بالطبع ان يحرره من ذلك تماما. لكنه يجعلها من هذه الناحية عديمة الجدوى. في القرن الماضي والنصف الاول من القرن الحالي, كانت فكرة النقابات والاضرابات وتحديد ساعات العمل وما الى ذلك, تعتبر افكارا يسارية او شيوعية ينبغي مقاومتها من جانب الدولة الرأسمالية. لكن اليوم لا احد يعتبرها كذلك. فقد غدت جزءا من التنظيم المجتمعي الحديث, تنص عليها القوانين والتشريعات المختلفة, بما في ذلك قوانين حقوق الانسان. وبالمثل فقد كان اليساريون ينظرون الى الاستثمارات الاجنبية, على انها محاولة من جانب الاحتكارات الدولية لنهب ثروات الشعوب والسيطرة على قرارها. لكن اليوم فان جميع الدول تسعى للحصول على هذه الاستثمارات, وتنافس على اجتذابها بما في ذلك الدول التي لاتزال تتمسك بأنظمة اشتراكية. ويمكن القول الشيء نفسه بالنسبة الى الديمقراطية الليبرالية. فقد كان الشيوعيون يعتبرونها ديمقراطية رأسمالية, تعطي اقلية من البشر, ممن يملكون الثروة, الحق في حكم اغلبية الشعب, ويفضلون عليها الديمقراطية الموجهة او المركزية. لكننا نعرف اليوم بأنه لا يوجد شيء اسمه ديمقراطية مركزية او غير مركزية, وانما توجد ديمقراطية واحدة, هي تلك المطبقة في الاجزاء المتقدمة من العالم, وليس في العالم الغربي وحده. وبات الجميع يعتبرها النظام البشري الامثل, الذي ينبغي الوصول اليه, رغم ما قد يعتوره من سلبيات. ان من مميزات الفكر الحديث انه لا يعترف بامكانية امتلاك الحقيقة المطلقة على نحو ما يفعل مناصرو الايديولوجيات والعقائد الجامدة (الدوغما). وان المحك العملي لصحة الافكار ومصداقيتها هو الواقع وما ينتجه, عبر حركته وتطوره المستمرين, من حاجات ومتطلبات بشرية. فليس المهم ما يقوله او يعتقده هذا الانسان, او ذاك. المهم هو كيف يتحقق في التجربة وفي الواقع العياني. لكن بالطبع هذه العملية ليست اوتوماتيكية, وهي ليست سهلة, فالناس لا يتخلون عن ارائهم وافكارهم, لمجرد ان هناك شخصا ما يقول لهم بأن ما تعتقدونه من اراء وافكار, ليست صحيحة او انها لا تتطابق مع الواقع انها متخلفة عنه. بل لعلهم سيسخرون منه, وسيصرون على أن ارائهم وافكارهم, هي الصحيحة والمعقولة والواقعية.. وما عداها فهو مجرد سخافات او تخرصات او أضاليل. وهنا بالذات يكمن خطأ الكثير من المفكرين والمصلحين, الذين يتصورون بأنهم ما ان يقوموا بشرح افكارهم وتبيان قوة منطقها وصحتها في الواقع العملي, حتى يسارع الناس الى الاقتناع والتصديق بهذه الافكار. وقد أدت الاخفاقات والنتائج المتواضعة, في هذا الجانب الى احباط ويأس كثير من المفكرين, الذين اما انهم ارجعوا ذلك الى خلل في الانسان (مستواه العقلي او الحضاري او النفسي) او انهم اثروا الانزواء والانقطاع عن الناس, مقتنعين بأن زمنهم لم يحن بعد, وبالطبع الخلل قد لا يكون في الناس أو في الافكار او في المفكرين انفسهم. الواقع ان كون فكرة ما صحيحة, لا يعني بالضرورة ان الناس تتقبلها او تسارع الى تبنيها على الفور. فتشكل الفكرة او استنتاجها او صياغتها شيء, وتحويلها الى قناعات لدى أوسع قطاع معين من البشر شيء اخر. والسبب في ذلك ان شروط تكون الفكرة تختلف عن شروط انتشارها وبثها. في الحالة الاولى العامل الاساسي هو التفكير وهي عملية فردية دائما, ثم اختبار الفكرة وبلورتها, وهذه ميدانها الفكر والمعرفة العلمية. اما في الحالة الثانية يعتمد على فهم طبيعة الانسان والدوافع التي تحركه والنزعات التي تتحكم فيه. وهذه ميدانها الاجتماع البشري. ما نود ان نقوله هنا هو ان تراجع ايديولوجيا معينة, يمكنه ان يفسح المجال لبروز انماط من التفكير الحديث القائم على نسبية الافكار والآراء والحقائق. لكنه اذ يفعل ذلك فانه يفعله في نطاق عمل تلك الايديولوجيا, اما في نطاق الحياة الانسانية العامة, فهي لا تزال ـ وستستمر كذلك على الارجح ـ تزخر بالمطلقات والافكار والاراء الاحادية. بيد ان تراجع المزيد من الايديولوجيات, يرافقه المزيد من تحلل اشكال التفكير المطلق, واتساع مساحة التفكير والنظر النسبي للانسان والاشياء والحياة بصورة أعم.