السهولة والسلاسة واليسر التي انتهت بها ازمة الحكم في السودان بين الرئيس البشير ود. الترابي كانت دون شك مثار دهشة لبعض الاطراف الخارجية التي قرأت تفاعلات الازمة بصورة خاطئة.لقد جرى حسم الازمة في اجتماع خاص لمجلس الشورى, الهيئة العليا للحزب الحاكم(المؤتمر الوطني)بمشاركة 530 عضوا بينهم البشير والترابي, من اصل 560 عضوا, والمناقشات التي دارت لمدى ساعات متصلة انطلقت من ورقة عمل تتضمن توصيات وضعتها لجنة من 14عضوا, سبعة من فريق البشير وسبعة من فريق الترابي, وفي النهاية صارت التوصيات مع تعديلات طفيفة قرارات بعد اجراء تصويت عليها داخل مجلس الشورى. هذه النهاية السليمة الموضوعية للازمة لم تكن متوقعة لدى بعض الاطراف الخارجية فقد اخطأت في قراءة المقدمات فأخطأت بالتالي في تقدير النتائج. تمثل الخطأ الاول في ان هذه الاطراف نسيت او تناست ان الرئيس البشير ود. الترابي ينتميان في نهاية المطاف الى تيار ايديولوجي واحد على نهج اسلامي, اما النزاع الذي نشأ بينهما فان مرده الى الاختلاف في الوسائل لا التناقض في المنهج. لكن بعض الاطراف الخارجية شاءت لدواعي ذاتية لا علاقة لها بالامر ان تصور الرئيس البشير وكأنه تحول من اسلامي الى علماني ماركسي او شيء من هذا القبيل. والخطأ الثاني في القراءة ذو صلة عضوية بالخطأ الاول ويتمثل في شخصنة النزاع, اجل كان نزاعا على السلطة والصلاحيات والاختصاصات بين شخصيتين قياديتين على قمة الهرم السلطوي, لكنه لم يكن محصورا بين شخصيهما, كان في الحقيقة ولا يزال صراعا في اطار تنظيم سياسي ذي قاعدة جماهيرية ومؤسسات فرعية من القمة الى القاعدة, وبسبب هذا الصراع حدث انقسام في بنية التنظيم بين تيارين وما وقع بين البشير والترابي من قطيعة يمثل في الحقيقة مواجهة بين تيارين وليس بين شخصين, بمعنى انه حتى لو اختفى كل من البشير والترابي من المشهد فان الصراع يبقى . وتأسيسا على ذلك فان القضية التي نوقشت في مجلس الشورى لم تكن في اجمالها منع الصراع الفكري وانما تقنينه وضبطه حتى لا يتحول الى فتنة. من هذا المنظور انطوت قرارات مجلس الشورى على تدابير واجراءات تدعو الى احداث تعديلات في النظام الاساسي للحزب الحاكم (المؤتمر الوطني) تؤدى الى اعادة رسم الحدود الفاصلة بين (الحزب) و (الدولة) بصورة دقيقة بحيث لا يتكرر في المستقبل تضارب في الاختصاصات والصلاحيات يمكن ان يفضي الى تنازع, فتنشأ ازمة مرة اخرى. وفي الوقت نفسه تم اتفاق على ان يبقى كل من البشير والترابي في وضعيهما كرئيس للحزب وامين عام له على التوالي. على هذا الاساس لا يمكن القول ان الازمة انتهت تماما, ما يمكن قوله بصورة ادق هو انها حوصرت بوسائل سلمية وفي مناخ صحي وعولجت اسبابها بطريقة مقارعة الحجة بالحجة والرأى بالرأى الآخر. لكن مع هذا كله, ورغم هذه الممارسة الديمقراطية يبقى الحكم في السودان احاديا معتمدا على تنظيم اوحد. وما يتوقعه الشعب السوداني هو ان المصالحة داخل التنظيم السياسي الحاكم يجب ان تتسع دائرتها لتشمل مصالحة وطنية كاملة مع احزاب وفصائل المعارضة في اطار تعددي. ومما يجدر ذكره في هذا السياق ان الرئيس البشير اعلن بعد اجتماع مجلس الشورى المشار اليه ان الحكومة لن تفرق بعد الآن بين الاحزاب المسجلة وغير المسجلة, ومن ثم دعا قادة المعارضة في الخارج الى العودة لكي تمارس احزابهم نشاطها بصورة طبيعية كما سبق ان دعاهم الى المشاركة في السلطة. وايا كانت مصداقية هاتين الدعوتين فان الكرة الآن في ملعب قادة المعارضة في الخارج. والمطلوب منهم هو ان يدخلوا في حوار جاد مع السلطة على الاقل لاختبار مصداقيتها.