هذا هو اليوم الأول من العام الجديد في الألفية الثالثة, يوم كسائر الأيام التي مرت بنا وستمر على غيرنا, ولا أدري كيف قضى الناس ليلة البارحة هنا في الامارات, لكنني تابعت عبر محطات التلفزة (خاصة محطة CNN) هوس العالم وجنونه في الاحتفال بالألفية الجديدة . لا شك ان العالم أنفق ملايين الدولارات للاحتفال بآخر يوم في القرن العشرين, لكنني لا أدري أكانوا سعداء حقا هؤلاء الناس وهم يعيشون آخر لحظات القرن الذي أصبح في حكم الماضي ام انهم كانوا يفتعلون الفرح؟ لنقل بأنهم كانوا يعيشون الفرح بنية ان يكون القرن المقبل أفضل من هذا الذي ودّعوه, ولكن من الذي جعل القرن الماضي (القرن العشرين) احد اكثر القرون دموية ومصائب؟ فاذا كانت كل هذه الأفواج البشرية التي ضجت بالامس في شوارع الدنيا كلها ومطاعمها وساحاتها وملاهيها, قد ايقنت بأن الحروب والدمار والقنابل النووية لا تحل أزمة ولا تنقذ حضارة بقدر ما تقود للفناء وللمزيد من المآسي, فقد يدفع هذا اليقين بهذه الجموع للضغط على حكوماتها وسياسييها لاعتناق المبدأ ذاته, اما ان يكون كل هذا الضجيج والهوس الذي امتد منذ غروب شمس الامس الى شروق شمس اليوم مجرد فرصة لمزيد من الرقص المجنون والصراخ والعري والشراب, فكل قرن والعالم كما هو. ومع كل عام جديد تنهال عليك الاسئلة نفسها, ماهي أمنيتك للعام المقبل؟ ومع نهاية قرن وبداية ألفية تغير شكل السؤال الى: هل أنت مستعد للألفية الجديدة, فبماذا يمكن ان نجيب؟ اذا اردنا الا ندخل في جدل فلسفي جاد يضيع طعم السؤال ويعكر مزاج السائل المسكين فما علينا سوى ان نجيب: نتمنى الستر والصحة وصلاح الحال للعالم كله, أما عن استعدادنا للألفية, فسؤال لا نملك الاجابة عنه لأننا لا ندري عن نوعية وماهية هذا الاستعداد. لأن الذي نعرفه ومتأكدين منه هو أن هذه الألفية التي يضج العالم بذكرها ليست سوى يوم عادي أشرق اليوم كما أشرق اي يوم آخر من قبل أو سيشرق فيما بعد. عن نفسي لم استعد بشيء على الاطلاق ـ ربما بسبب حالتي المرضية, وربما بسبب عدم قناعتي بكل هذه الاثارة التجارية, كل ما تمنيته هو قضاء آخر ليلة في القرن العشرين مع اصدقاء حميميين, لكن ما كل ما يتمنى المرء يدركه, فقد يخذلك الاصدقاء احيانا كما تخذلك الصحة وأمور اخرى, وعلى أية حال فالأمر ابسط مما نتصور. لقد اقتحمت الدعاية والاعلانات والاعلام كآلات جهنمية لاقتصاد السوق المفتوح حدث الألفية لتعمل على تضخيمه دافعة الناس لحمى الاحتفالات وهوس الشراء الذي وصل الى معدلات خيالية مساء الامس وما قبله فيما يتعلق بشراء الهدايا وحجز الفنادق وشراء ليالي حفلات وتذاكر سفر و... الخ. كثيرون لم يفعلوا شيئا سوى الجلوس في المنزل لمراقبة حمى العالم ليلة الألفية متمنين للجميع ألفية سعيدة وأعواما خالية من المآسي وأنا واحدة من هؤلاء.