نكتب اليوم ونحن في القرن الجديد الواحد والعشرين, بعد ان انتظرنا حلول هذا القرن سنوات طويلة ونحن نردد ذكره مرة بعد مرة في مجال الحديث عن التحديات والاستعدادات والاحلام العربية تحديدا, فاذا به اليوم بيننا, او الاحرى فاذا بنا اليوم في هذا القرن الذي لم يكن يفصله عن القرن الماضي في حساب الزمن سوى ثوان واقل من الثواني انتهت ليلة امس, بينما يفصله عن القرن في حساب المنجزات والتغيرات سنوات طويلة, عربيا على الاقل. وهكذا فانه اذا كان هناك من دخل الالفية الثالثة والقرن الجديد فعلا من حيث ما تحقق لهم من منجزات وتقدم ورفاهية وحضارة ومن حيث ما استعدوا له من خطط ومشروعات مستقبلية بناء على رؤى واضحة, كدول اوروبا وامريكا واليابان وغيرها, فان هناك من لم يدخل الالفية ولا القرن بعد, الا في حساب الزمن وحده, اما في حساب المنجزات فبعضهم لا ينتمي حتى للقرن العشرين, وفي حساب الاستعدادات فهو لاينتمي لاي قرن, وذلك لغياب ما يسمى بقرون الاستشعار, اي التخطيط والاستعداد, بمنطق العصر. اين نضع العرب من بين هؤلاء؟ طبعا في الصنف الثاني مع تعديلات وتحسينات طفيفة, اي من الذين يدخلون القرن زمنيا فحسب, لا بما حققوا من منجزات تنتمي للقرن وروحه, فحظهم من هذه اقل القليل, اما عن قرون الاستشعار فلا وجود لها, ما يخوف بقرن آخر عليهم اسوأ, ربما تطلع فيه لمواطنيهم قرون حقيقية فوق رؤوسهم لهول ما يعيشون, باستثناء ان يرحمهم الله ويلطف. اما التعديلات والتحسينات الطفيفة فهي مما يمكن ان تحسب للعرب خلال القرن, على رأسها انجازات وطنية يعتد بها ومجال للفخر بلا ادنى شك, من دحر الاستعمار وهزيمته فالاستقلال عنه واقامة الدول الوطنية في اكثر من بلد عربي كان يرزح تحت نير الاستعمار البغيض, الى تأسيس دول لها مكانة وتحظى باحترام, حتى مع الهبوط العربي العام في المستوى, وصولا الى انجاز نخب من الادباء والمفكرين والفنانين العرب, اعتقد شخصيا, هم أهم ثروتنا خلال القرن كله. فهناك مثلا حركات التحرر التي عاشها العرب منتصف هذا القرن, وقبيله, التي أسست على انقاض الاستعمار دولا, من مصر والجزائر وليبيا وتونس غربا الى سوريا ولبنان والعراق والسعودية والامارات شرقا, برزت خلالها شخصيات وطنية وقومية عظيمة نعتز بها ودولا نفتخر بها, من احمد عرابي وسعد زغلول ومصطفى كامل وعبدالقادر الجزائري وعبدالحميد بن باديس وعمر المختار والملك عبدالعزيز بن سعود وغيرهم كثير, وصولا الى جمال عبدالناصر وعبدالله السالم والحبيب بورقيبة وغيرهم وانتهاء بزايد بن سلطان آل نهيان, صاحب أول وافضل تجربة اتحادية عربية خلال القرن كله. ولن نجادل فيما عاب بعض هذه التجارب والثورات او الدول القطرية بعد نشوئها ومدى تمكنها من تحقيق احلام مواطنيها في التقدم والرفاه والديمقراطية, فذلك مجال بحث يختص به علماء ومفكرون, غير انه في غمار هذه التجارب جميعها, والتي كانت من ثمرات قرننا الماضي حقق فيها العرب بعض انتصاراتهم السياسية والحضارية, ظهرت قوى وجماعات سياسية وفكرية, قدمت للامة خلال القرن بعض ابرز المفكرين والسياسيين والزعماء الشعبيين من الذين تم تهميشهم سياسيا نظرا لانعدام الديمقراطية, آن الأوان ونحن في قرن جديد, لاعادة الاعتبار اليهم بوصفهم من ابناء الامة المخلصين والذين تفوقوا علما وفكرا وكفاحا على طموحاتهم الشخصية لصالح طموحات امتهم, من دون ان يعيبهم اليوم ان احلامهم لم تتحقق, فالمسئولية في ذلك لا يتحملونها وحدهم. طبعا النظر الى نصف الكأس المليء من القرن العربي, سوف يكشف لنا عن اضاءات مهمة ومحطات منيرة في قرننا, فاذا لم يكن هناك من شيء يمكن ان نعتز به, فيكفي كواكب لامعة من مفكرين وأدباء وعلماء وشعراء وفنانين عرب مهمين, برزوا وتفوقوا بجهود اغلبها ذاتي ووسط ظروف عاتية وصعبة, هم اليوم في اعتقادي قلادة على صدر الوطن العربي, من المنفلوطي وجبران والعقاد وطه حسين واحمد شوقي وايليا أبو ماضي الى ابي القاسم الشابي فالجواهري ونزار قباني وليس انتهاء بام كلثوم وعبد الوهاب وفيروز ومحمود درويش وما بينهم كثير كثير, لاتسعهم ذاكرة عابرة, كذاكرة هذه الزاوية, ما يؤكد ان كأس قرننا العربي لم يكن كله فارغا.