مع مثول هذا المقال بين يديك ـ عزيزي القارىء ـ تكون اوراق العام الاول من الالفية الثالثة قد سقطت من شجرة ايامنا, واصبحنا, بكل تأكيد في رحاب القرن الجديد, فلم يعد هناك مجال للخلاف حول اللحظة التي يبدأ فيها هذا القرن الذي اتى الى زماننا من دون علامة فارقة تميز قدومه او حدث خاص يقترن بالانتقال اليه من القرن الذي سبقه, فأحداث كبرى كالحربين العالميتين الاولى والثانية, وثورات شعبية هزت العالم كالثورة البلشفية في روسيا, والثورة الصينية, والثورة الايرانية, والثورات المتلاحقة والمذهلة في مجالات العلم والتكنولوجيا والاقتصاد وقعت قبل قدومه وعلى امتداد القرن العشرين المنصرم وبقى بزوغه في افق حياتنا استمرارا واتصالا لأحداث ومشكلات العقود الاخيرة من ذلك القرن الذي غادرنا, او هي الاحداث والمشكلات نفسها ولكن في مراحل تالية منها. وما أود ان اشير اليه في هذا الحديث او بالاحرى اركز عليه من بين تلك الاحداث الكبرى التي شهدها العقدان الاخيران من القرن المنصرم ـ تلك الطفرات المتوالية التي شهدها حقل الاتصال والمعلومات, وفي مقدمتها ثورة الانترنت ثم ثورة الوسائط المعلوماتية (الانفوميديا) وهما الذروتان الثانية والثالثة في مسيرة الثورة المعلوماتية بعد الذروة الاولى المتمثلة في ظهور الحاسب الآلي (الكمبيوتر) الشخصي, فهذه الثورة التي ورثها قرننا الجديد تتصاعد في وتيرة انجازاتها منذ بداية تسعينيات القرن العشرين, وتتواصل خطاها الآن سعيا الى قفزة جديدة يمكن اعتبارها هي الذروة الرابعة الكبرى في الثورة الاتصالية المعلوماتية هي (طريق المعلومات السريع) والذي تعد الانترنت فيها مجرد حارة صغيرة مقارنة بذلك (الطريق) هائل الاتساع. ثورة نوعية ففي غضون السنوات المقبلة وقبل ان ينتهي هذا العقد الاول من قرننا الحالي, ستكتمل ملامح ثورة نوعية داخل هذا التيار المتواصل من الثورات المعلوماتية المتتالية هي ثورة (النشر الالكتروني) ومع ان هذا النوع من النشر اصبح ظاهرة معروفة الآن على شبكة الانترنت, وواسطة معلوماتية نوعية لها موقعها وحجمها الملموس على ساحة هذه الشبكة, فإن النشاط الذي يشهده ميدان النشر الالكتروني مازال يحتل هامشا محدودا من الحجم الاجمالي لحركة النشر في العالم, سواء في مجالات الصحافة أو المجلات والدوريات او الكتب والمراجع. فالسنوات الراهنة ستشهد تطورا متسارعا تكون احدى ثماره المباشرة اتساع رقعة النشر الالكتروني على حساب حجم النشر الورقي على مستوى الدول المتقدمة في السنوات المقبلة, اما في الدول التي يطلق عليها العالم الثالث فتحتاج من عشرين الى ثلاثين عاما حتى يصبح لها نصيب يعتد به في هذا المجال. والواقع ان دور نشر عدة في امريكا وأوروبا الغربية واليابان تخوض الآن ـ بالفعل ـ غمار مرحلة حافلة بالتحديات وخاصة ناشري المراجع الكبرى والموسوعات, الذين يواجهون ضغوطا قوية من جانب الناشرين الذين يستخدمون وسيطا آخر غير الورق, هو مجال النشر الالكتروني وتكنولوجيا المعلومات في ممارسة نشاطهم ذاته, اي في توثيق وحفظ المعرفة. وقد بدأت هذه الدور في السنوات الاخيرة في الاستغناء عن الموسوعات الورقية ضخمة الحجم ومتعددة الاجزاء, والتي كانت تحتل ارففا كاملة في كل مكتبة, واستبدلت بها الوسائل الالكترونية الحديثة, ولقي ذلك الانجاز نجاحا هائلا ورواجا واسعا, فتلك الموسوعة الورقية مرتفعة الثمن, وضخمة الحجم وصعبة الاستعمال, اصبحت تتوافر الآن في الاسواق صورة بديلة ارخص واسهل واقل حجما بما لا يقاس, فهذه الموسوعة ضخمة اصبح بالامكان تخرينها كاملة على اسطوانة مدمجة واحدة (أو اكثر من اسطوانة اذا كانت بالغة الضخامة) وبالضغط الخفيف على زر في حاسبك الآلي (كمبيوترك) الشخصي, تصل فورا وبسهولة ويسر الى اي معلومة تود الوصول اليها داخل صفحات تلك الموسوعة التي تصل الى آلاف الصفحات, وهكذا اصبح بامكان مستخدم الحاسب الآلي (الكمبيوتر) الشخصي اقتناء الموسوعة البريطانية ـ مثلا ـ كاملة مخزنة في اسطوانة مدمجة ثمنها بضعة دنانير, وعندما يتم تشغيل (طريق المعلومات السريع) ويصل الى المنازل في الاعوام القليلة المقبلة, لن يصبح الانسان في حاجة الى الاسطوانة المدمجة لامتلاك المحتوى الكامل لمجلدات الموسوعة البريطانية, أو لكل اعداد مجلة (العربي) السابقة ـ على سبيل المثال ـ اذ سيكون بمقدوره الوصول الى المعلومات المطلوبة مباشرة من جهازه الخاص, حيث ستربطه شبكة ضخمة من المراجع والموسوعات والدوريات والكتب ومختلف الوان المادة المنشورة وغير المنشورة من معلومات ووثائق وغيرها. التفاعل مع النص وما ينطبق على المراجع والموسوعات ينطبق كذلك, وبرما على نحو اوضح واكثر غنى وتنوعا, على المجلات والصحف, اذ هنا تأتي اضافة نوعية اخرى ـ فضلا عن احلال النشر الالكتروني محل النشر الورقي ـ وهي انك لن تقرأ النص فحسب, بل ستتفاعل معه ايضا من خلال الوسائط المتعددة اي من خلال الصوت والصورة العادية وصورة الشريط السينمائي والفيديو, فيمكنك ـ على سبيل المثال ـ وانت تقرأ موضوعا في مجلة (العربي) ان تشاهد على شاشة الجهاز في الوقت ذاته فيلما متحركا حول الموضوع نفسه الذي تقرأ او رسوما متحركة ومقطوعة موسيقية كخلفية متممة ومعمقة للمعنى الذي تقرأه, او تسمع صوتا جميلا يقرأ لك القصيدة التي على شاشة جهازك الشخصي. ومع انتشار الحاسبات الآلية (الكمبيوترات) الشخصية المنزلية ستشهد الحاسبات الآلية المحمولة ايضا نموا ضخما خلال السنوات المقبلة, ومن ثم فحتى المجلة او الكتاب الذي تحمله معك للقراءة خلال سفرك, سوف يمكنك الاستعاضة عنه بالدخول الى شبكة طريق المعلومات السريع من خلال حاسبك الآلي المحمول للحصول على محتوى الكتاب او المجلة نفسها, ويجري حاليا العمل على قدم وساق لتصميم اجهزة في وزن وحجم الكتب متوسطة الحجم والوزن, بحيث يمكنك استخدامها وانت تنتظر دورك في عيادة الطبيب او مستلقيا على فراشك قبل النوم. وهكذا ومع حلول العقد الثاني من القرن سوف تفقد وسائل الاعلام المطبوعة والاصدارات الورقية بوجه عام جانبا كبيرا من اهميتها ودورها نتيجة لتلك التطورات الهائلة. وبعد ان كنا نواظب ربما حتى عشر سنوات مقبلة على الاكثر على شراء الصحف والمجلات والكتب, فسوف نتحول الى وسيلة جديدة هي الاشتراك في خدمات متخصصة ـ تقدمها شركات على شبكة الانترنت الآن وعلى طريق المعلومات السريع مستقبلا تغنينا عن شرائها, ومن بين هذه الخدمات على سبيل المثال ما يمكن ان توفره نوادي القراءة والمكتبات على الشبكة لاعضائها من احدث ما صدر من اعمال لكتابهم المفضلين فور ظهورها بطرق الكترونية, وسيجد عضو مثل هذه النوادي على شاشة حاسبه الآلي (الكمبيوتر) عبارة تقول (ادخل رقم عضويتك اذا اردت قراءة هذا الكتاب الجديد). وعلى الرغم من ان اوجه الاسترسال في ذكر ما يشهده العالم الاتصالي المعلوماتي من مستجدات ثورية, متتابعة ومتنوعة الاصعدة, لا تزال كثيرة على مختلف ساحات هذا العالم ومجالاته, فإنه قد يكون اجدر بنا التوقف قليلا هنا أمام انعكاسات وآثار كل تلك المستجدات التطويرية في راهن ثقافتنا العربية وقادمها, وبخاصة فيما يتعلق بآليات نشر وتوزيع المنتج الابداعي والفكري والجمالي والعلمي لهذه الثقافة, فبعض الناشرين في امريكا والغرب, عددهم يتزايد باطراد, قد تركوا ـ بالفعل ـ التعامل مع الورق كوسيط لنقل الافكار والمعلومات والوان الابداع, واستخدموا بدلا من ذلك النشر الالكتروني, ليوفروا بذلك اموالا طائلة تصرف في شراء الورق, وما يصرف او يخصم من نسب البيع في توزيع المطبوعات المختلفة في البلدان والمدن. وفي الوقت ذاته, ستنخفض تكلفة الكتاب او المجلة بالنسبة لمستخدم الحاسب الآلي (الكمبيوتر) في القراءة, وتزداد كمية التوزيع باتساع فرص الوصول الى الشبكة من جانب مئات الآلاف من القراء المحتملين, وفضلا عن هذا القسم من الناشرين الذي دخل بكل نشاطاته (النشرية) الى ساحة النشر الالكتروني, هناك العديد من الناشرين التقليديين يعدون الآن انفسهم للانتقال الى تلك السوق الجديدة لتداول ما يطرحونه على القارىء من معلومات ونصوص وافكار. ماذا عن النشر العربي؟ فما الحال في عالمنا العربي؟ بالتأكيد لن نجد ناشرا واحدا بين آلاف الناشرين العرب قد انتقل بشكل كامل من استخدام الورق والطباعة وسيارات التوزيع في نشر الكتاب والصحيفة والمجلة الى النشر الالكتروني متعدد الوسائط, وان كان العديد من هؤلاء الناشرين قد بدأ يدخل بالفعل حلبة النشر الالكتروني, ومن هؤلاء يمكن ان نشير الى الناشر العربي الذي اشترى حقوق النشر الالكتروني لكل اعمال الروائي العربي النوبلي نجيب محفوظ مقابل مليون جنيه مصري, اي ما يساوي ثلاثمئة الف دولار امريكي تقريبا, كذلك هناك مؤسسات نشر عربية تصدر او تنشر الآن اعمالا ثقافية وفنية في اسطوانات مدمجة, وفي مقدمتها المشروع الكبير الذي بدأه المجمع الثقافي في ابوظبي بدولة الامارات العربية المتحدة, وسوف تشهد السنوات القليلة المقبلة مزيدا من اتساع رقعة النشر الالكتروني العربي على شبكة الانترنت وما يصاحبه من انخفاض في حجم النشر الورقي لمنتجات الثقافة العربية, على ان إيقاع حركتنا في اتجاه التواجد (النشري) على شبكة الانترنت لايزال ابطأ بكثير من ان يلبي الحاجات المتزايدة الى وضع معطيات ثقافتنا وابداعاتها المختلفة على هذه الشبكة العالمية الهائلة, نروجها ونسعى لترجمة ما يمكن ترجمته منها والمساهمة في توفير كل السبل لنشر لغتنا العربية في العالم عبر نتاج حضارة البشرية ـ حضارة الانترنت ـ بل وما بعد الانترنت, , ومازال اقل بكثير من ان يلبي حاجات القارىء العربي في المهاجر المختلفة في امريكا واستراليا وأوروبا وامريكا اللاتينية, من الزاد الثقافي والابداعي لثقافتهم الأم. ان الاسراع في دخول النشر العربي الالكتروني سيحقق لثقافتنا ولغتنا نقلة نوعية هائلة, من حيث وضعهما في موقع مع الثقافات العالمية السائدة الآن, ويفتح امامهما فرصة التلاقي والتفاعل مع حاملي تلك الثقافات من جانب, ومن جانب آخر يعيد ربط الملايين من المهاجرين والمغتربين العرب والمسلمين في العالم بثقافتهم العربية والاسلامية, وينمي من خلالهم حركة ثقافية وفكرية عربية في مواطنهم الجديدة ويؤسس لتلك الثقافة وجودا جديدا في تلك الاصقاع من العالم البعيد عن ثقافتنا الحالية, ويكسر حاجز الجهل المطبق الذي تعيشه شعوب وامم الارض حول ثقافتنا العربية قديمها وحديثها, وربما يعيد لهذه الثقافة وحامليها الاعتبار لدى أمم الارض المعاصرة. والواقع ان هذا التطور الكبير, او الطفرة الهائلة في وسائل وآليات نشر الانتاج الثقافي والفكري والعلمي والفني يثير شجونا كثيرة ومشكلات محيرة عدة, من امثلتها: هل يتخلى الناس مستقبلا عن تفضيلهم للكتب الورقية (ملمسا وشكلا) على الاقل بداية من اناس الجيل القادم؟ وهل ستتوافر بالفعل اعداد كافية من اجهزة الحاسب الآلي الشخصي ذات القدرات متعددة الوسائط لتلبية حاجات القطاع الواسع من طالبي الانتاج الثقافي العربي, في اوطان نراها تزداد فقرا وسكانا؟ وايضا يمكن القول من ناحية اخرى انه في حين يسهل حمل الكتاب او المجلة المطبوعة فليس هناك في الامد المنظور ما يكفي من الاجهزة الحاسوبية الشخصية المحمولة (وخاصة في بلدان العالم غير المتقدم بما في ذلك عالمنا العربي). تلك امثلة وتساؤلات لمشكلات وتحديات بالغة الاهمية وعميقة التأثير يطرحها الواقع الجديد للنشر المتزايد التحقق في الممارسات الشفافية والابداعية للمجتمعات المعاصرة, او العائشة في العصر وهي من الكثرة والدقة والتنوع بحيث يصعب تناولها بالمدى المطلوب من عمق الطرح واتساع الرؤية في مقالة او دراسة واحدة, وربما كان ذلك هو السبب في اننا بدأنا في مجلة (العربي) في الاعداد لتنظيم ندوة فكرية علمية حول (الثقافة العربية والنشر الالكتروني) يشارك فيها نخبة من مفكري العالم العربي وخبرائه في مجال المعلوماتية والنشر الالكتروني لتعقد في اواسط هذا العام, تزامنا مع دخول (العربي) وكل مطبوعاتها في شبكة الانترنت لوضعها في متناول قراء العربية في كل انحاء العالم مساهمة في بناء وترسيخ موقع للثقافة واللغة العربية في عالم النشر الالكتروني وعولمة الثقافة, ويبقى سؤال يحتاج الى من لديه الاجابة عنه ان يفكر ويفكر مليا فيما يجري في العالم من حولنا ألا وهو: ماذا ستفعل اجهزة الرقابة على المطبوعات الورقية في هذا السيل المنهمر من عل؟ رئيس تحرير مجلة (العرب